الأربعاء، 22 نوفمبر 2006

أخطاء نحوية (قصة قصيرة).


أخطاء نحوية...
(قصة قصيرة)


خرج من بيته صباحا كعادته واتجه نحو دكان مجاور ليشتري خبزتين. قدم للتاجر ورقة من فئة عشرين درهما. في لمح البصر أدخلها التاجر إلى صندوقه الخشبي.

همَّ بالخروج فتذكر أن التاجر لم يقدم له الباقي.

- ولكن يا سيدي، الخبزة بدرهم، والخبزتان بدرهمين. والباقي ثمانية عشر درهما.

أجابه التاجر – كأنما استفاق من نوم عميق- عذرا، لقد نسيت.

أخذ نقوده وانصرفَ ! يقول في نفسه: لا بأس لا بأس نحن الذين علمناه !

يتجه نحو السوق الشعبي، يشتري قليلا من البطاطس، يقدم للخضار عشرة دراهم. يلقي الخضار بالعشرة دراهم في كيس من الجلد الأحمر عليه آثار البلى.

يهم بالانصراف، فيتذكر.

- ولكن يا سيدي، ثمن الكيلو غرام من البطاطس أربعة دراهم، والكيلوغرامين بثمانية دراهم، والباقي درهمان.

يعتذر له الخضار، يأخذ الدرهمين وينصرف. يقول في نفسه: لا بأس لا بأس، نحن علمناه !

يقترب من بائع الزيتون، ويشتري منه درهمين. يدفع له خمسة دراهم، يضعها بائع الزيتون في صندوقه الأسود وينشغل بأكياس الزيتون.

يهم بالانصراف. يتذكر: سيدي رُدَّ عليَّ ثلاثة دراهم!

يعتذر بائع الزيتون في أدب: عفوا، لقد نسيت. يأخذ دراهمه الثلاث وينصرف. يقول في نفسه: لا بأس لا بأس…نحن علمناه !

توجه إلى بائع البصل واشترى كيلوغرامين. قدم للخضار خمسة دراهم. وضعها في كيسه الجلدي الأحمر وصَمَتَ!

سيدي ثمن الكيلوغرامين من البصل أربعة دراهم ونصف الدرهم، والباقي عندك نصف درهم!

استفاق الخضار من سباته: عفوا سيدي لقد نسيت، ودفع إليه بالنصف درهم.

- لا بأس لا بأس…نحن علمناه، يقول في نفسه.

لم يتبق في جيبه الآن إلا درهمان، درهم كاملة، وقطعتان من فئة النصف درهم.

رجع إلى بائع البطاطس وأضاف كيلوغرامين من البطاطس. أعطى كل ما تبقى في جيبه للخضار وانصرف.

بعد ثانيتين يلحق به الخضار في غيظ: يا هذا، أضف لي ستة دراهم.

يستفيق من غيبوبته، عفوا سيدي لقد نسيتُ !

استمر في المسير ولم يحدث نفسه.

الاثنين، 20 مارس 2006

تأصيل الجنس الأدبي في النقد المغربي: القصة والمسرح.

منْذُ اتصال الأدب المغربي بالأدب الغربي ،طرحت مسألة الجنس الأدبي بإلحاح على أساس أنه ضرورة فرضتها الأسئلة الثقافية والمناخ الجدلي الجديد الذي حاول أن يؤصل لمفهوم الهوية الثقافية كنافذة يؤطرها حضور الآخر وغيابنا من الساحة الفكرية سواء على مستوى الممارسة الثقافية أو على مستوى الأحداث الكبرى أو على مستوى إنتاج الدوال المعرفية وتأثيرها في الآخر. ومن هنا نرى أن فكرة تأصيل بعض الأجناس الأدبية كالقصة والمسرح لم يكن سوى رد فعل ونستدل على ذلك بالمعطيات التالية:
1-     مسار التأصيل غير الذاتي (الوافد)
إن تأصيل المسرح والقصة القصيرة في المغرب لم يكن مبنيا على معطيات فرضها تطور الجنس الأدبي مثلما حدث في الغرب، بل إنهما ناتجان عن إملاءات الآخر القوي, يشهد لهذا أنه يصعب ربط المسرح المغربي بأي تجربة مغربية قبلية،بل على العكس من ذلك فقد كان مرتبطا بتأسيس مسرح سيرفانتس في طنجة سنة1913 ،ولم يخرج المسرح المغربي للوجود إلا سنة1956 حين انعقد آنذاك أول مهرجان للمسرح في المغرب، وفي هذه الحالة أيضا فإن جوهر العملية المسرحية كانت مرتبطة بالاقتباس ونمثل لذلك بالطاهر واعزيز وعبد الصمد الكفتاوي،قبل أن تظهر أسماء أخَر فيما بعد وتفكر في النصوص التراثية.
ولعل الأمر نفسه يقال في القصة القصيرة، فنحن ندرك الظروف التاريخية التي نشأت فيها القصة القصيرة في المغرب ،فالاتصال بالغرب هو العامل الذي دفع النقاد الأوائل إلى البحث في موضوع تأصيل آليات اشتغال جنس القصة القصيرة ،ومن هنا ندرك الخلط الواسع الانتشار في النقد المغربي بين القصة والرواية،بل بين الرواية والمسرحية في كثير من الأحيان.
كانت بداية القصة في المغرب الحديث ترتهن إلى مكونات بعيدة كل البعد عن هاجس التطور الداخلي للجنس ،إذ راح أغلب النقاد يطرحون أسئلة تتعلق بثقافة الآخر كعلاقة القصة بالمجتمع الإقطاعي،مسألة الوعي الثقافي ودوره في الروح الوطنية، في حين تبين الآن – وبشكل واضح- أن تلك الأسئلة رغم أهميتها المعرفية ،كانت بعيدة كل البعد عن المشاكل الحقيقية التي كان يعيشها المجتمع المغربي،وإنما كانت أسئلة استهلاكية أملاها الانبهار بالآخر وسلطته المعرفية.
كيف يمكن أن نطرح أسئلة الوعي الثقافي في مجتمع تمثل فيه الأمية النسبة الكبرى،بالإضافة إلى سيادة عقلية القبيلة والتفكير المركزي الأحادي الاتجاه،كل هذه العقبات ولدت لدى المثقفين في تلك الفترة شعوراً بالتفوق والتفرد لخلو الساحة من طقوس القراءة وإمكانيات النقد الواسع،صحيح أن النقد الجامعي سيكون له الفضل الأكبر فيما بعد لنشر قيم النقد وتقنيات البحث،وهو ما دفع النقد ليخطو خطوات واسعة،لكن مع ذلك نسجل أن المجتمع لم يكن يعرف ما يدور بالجامعة المغربية،ولم تكن الأسئلة المعرفية في دائرة اهتمامه.
من هذه الزاوية نقرر أن تأصيل القصة والمسرحية في المغرب لم يكن نابعا من تطور الجنس الأدبي وطقوس القراءة،إلى درجة أن تطور الجنس الأدبي كان في مسار،وحالة المجتمع في مسار آخر.وبذلك يحس القارئ المتمرس الآن أن التطور في مجال الكتابة والإبداع يرافقه تخلف في طقوس القراءة ،فلحد الآن ليست لدينا قاعدة ثقافية قارئة يمكن أن تسهم في بلورة الفعل الثقافي في بلادنا.
2-     سؤال المرجع والبحث في الشكل التراثي.
في المرحلة الثانية من مراحل التعامل المباشر مع القصة والمسرح ،ظهر تلاميذ جدد كان همهم الأول هو الرجوع إلى "التراث"باعتماده مادة خاما نعبر من خلاله عن قضايا المجتمع،وفي هذا الرجوع وقعت أخطاء منهجية جسيمة بدرجات متفاوتة تبعا لدرجة الوعي الخاصة بكل مبدع :ففي مجال المسرح تمثلت العودة للتراث في استلهام رموز جاهلية أو إسلامية كامرىء القيس أو الحلاج وحاول أصحابها تفعيلها في سياقات مختلفة تماما عن المحيط الذي نشأت فيه: فامرؤ القيس يسير في شوارع باريس ظنا من المبدع أنه بعمله هذا قد أنتج نصا قابلا للتعايش مع المتغيرات والجديد الدائم في مجال المسرح،في حين أن هذا النوع من المسرح الذي يعتمد مباشرة وبشكل أساسي عل اللغة لن يكون بإمكانه أن يصمد أمام الترجمة إلى اللغات الأجنبية لأن أساس التمسرح فيها هو اللغة وليس الفعل المسرحي.
وإذا شئنا أن نقارن- ولو بشكل بسيط- بين المسرح المغربي والمسرح التونسي في شخص عزالدين المدني و برشيد ،يمكن القول إن عز الدين المدني يوظف التراث فنيا،ويحافظ على الزمن الروائي وهذا واضح في اعتماده لغة الجاحظ وعبد الحميد الكاتب، في حين لا يمكن الحديث في المسرح المغربي عما يمكن تسميته بالزمن الروائي، فعوض أن نذهب نحن إلى الماضي بأفكارنا ومعتقداتنا وفهمنا العميق للأشياء،ترانا نأتي بشخصيات التاريخ إلينا ونطلب منها أن تفهم حاضرنا وأن تشاركنا همومنا وآمالنا،وهو الأمر الذي ينبغي أن ننبه إليه كمدخل لنعت المسرح المغربي بالمسرح الذي يعود إلى التاريخ لهدف إيديولوجي وليس لهدف فني.
إن العودة للتراث ليست هي البحث عن شخصيات معروفة لها ثقل في الساحة الثقافية،مثلنا يفكر أغلب الذين تعاملوا مع هذه الظاهرة ،بل إن التعامل مع التراث أشمل بكثير من مجرد استلهام شخصيات بعينها كامرىء القيس أو الجاحظ أو عبد الحميد الكاتب أو غيرهم،فاللغة تراث،والموقف تراث،واللحظة التاريخية تراث،والإشارة تراث،وشكل النص تراث...وهكذا بأشكال مختلفة يتحقق الرجوع إلى التراث وليس فقط بالأسماء التي غالبا ما توظف في غير سياقاتها،ولأهداف غير فنية.
في القصة القصيرة لم يمثل الرجوع إلى التراث الهاجس الأول وبعمر خمسين سنة من عمر القصة القصيرة في المغرب لا يتجسد التراث إلا في نماذج باهتة ،بل حتى الذين اعتمدوا التراث لم يعتمدون إلا قناعا يختبئون فيه خوفا من عقاب المحتل،أو قهر السلطان.
في الحديث عن التراث في القصة القصيرة المغربية يتجسد التراث في الموروث الشعبي والطقوس الدينية والممارسات الاجتماعية الطافحة بالخيال والجمال،ولكن مشكلة القصاصين المغاربة تتمثل دائما في التعامل مع التقنية الجمالية ،إذ يطغى الحكي على الإمتاع الفني،وإن كان الحكي نفسه إمتاع.
3-     من البحث في الأشكال إلى التجريب على الأشكال
إن جوهر المشكلة هنا لا يتعلق بالتلاعب اللفظي ،فالحقيقة التي لا يجهلها النقاد – بل يكادون يجمعون عليها – أن أدبنا القصصي والسردي ، لا يزال دون مستوى الطموح الفعلي،فاللهث وراء الآخر على مستوى الشكل جعلنا ننسى الأشكال الأدبية الأكثر تجذرا في ذاكرتنا الثقافية، ورحنا نقيس الأشكال العربية القديمة بالأشكال التي انبهرنا بها، ولم نفكر لحظة،أو نتوقف للتفكير في الأشكال التراثية المختلفة،لماذا نريد أن تكون لنا قصة كالقصة الفرنسية أو الإنجليزية؟ ماذا يضيرنا لو اختلفت أشكالنا عن أشكالهم ،ورؤانا عن رؤاهم ، لكل حضارة أشكالها الخاصة مثلما لنا أشكالنا الخاصة،إننا نعترف أن الثقافة العربية لم تنتج مسرحا ولا أوبرا،ولكنها أنتجت في المقابل أشكالا مختلفة في مراحل مختلفة من تاريخها الطويل،ولم نفكر في استغلال هذه الأشكال الإبداعية،ليكون الأمر أكثر وضوحا نقدم نموذجين :الأول يتعلق بفن المقامة ليس بأسلوبها وطريقة تعبيرها، ولكن من خلال إطارها السردي الفرجوي ،إن نقادنا يعتبرون هذه الأشكال مقدمات للمسرح ،ويتحسرون –عن حسن نية- أن هذه الأشكال لو كتب لها التطور لكان للمسرح العربي شأن وأي شأن.لكننا نبادر إلى القول بأن هذا الشكل المقامي لا يمكنه أن يكون إلا كما كان،لا يمكنه أن يتطور في اتجاه آخر ،غير الاتجاه الذي سار فيه،فالمقامة مقامة والمسرح مسرح،ولا يمكننا أن ندخل هذا في هذا .
النموذج الثاني يتعلق بالحلقة،في كتابات النقاد نقرأ لهجة الأسف ,والدعوة إلى إعادة النظر في تناول الموضوع ،معتبرين أن الحلقة هو الشكل المسرحي (كذا!) الذي كان بإمكانه أن يعتمده المسرح العربي منطلقا للنشأة والتأسيس. الواقع أن جميع الحضارات السابقة للحضارة العربية- بما فيها الحياة العربية الجاهلية- عرفت نظام الحلقة ،فالحلقة ليست شكلا إبداعيا فحسب بل هي نظام حياة للكثير من الطبقات الاجتماعية،وقد مثلت مركزية "الدولة العربية" لفترة تاريخية طويلة ولا تزال رغم مظاهر الحداثة الواضحة للعيان،إذ لا يكفي استيراد الأشكال للحكم على تفوق الجنس الأدبي،ففي غياب القاعدة المدعمة لركائز الجنس تصبح كل محاولة للتحديث إملاءات خارجية تضر أكثر مما تنفع ولعل في تاريخنا الحديث أمثلة حية توضح صحة هذه الفكرة وتشهد لها،فنحن إلى الآن لا نعرف ماذا نريد،وبين الفينة والأخرى تظهر أصوات تندد بما وصل إليه الإبداع عندنا تحت عنوان كبير عريض هو "أزمة الحداثة" والواقع أن الأزمة ليست أزمة حداثة بقدر ما هي أزمة عقل عربي لم يعد قادرا على الإبداع لأنه انطلق من أرضية نقدية غريبة عنه لقد استورد مسوحاً ليست على مقاسه،إن ما حدث في عالم الاقتصاد عام 1929 هو نفسه ما يحدث في عالم النقد والأدب، فالتبعية لرأس المال الأجنبي نتج عنها أزمة حادة في دول لها قواسم مشتركة من حيث وسائل التنظيم وهرمية المصالح والأبعاد الواحدة،فكيف يكون الأمر بين ثقافتين مختلفتين تماما مثلما هو الحال بين "الثقافة العربية" و"الثقافة الأوربية"،صحيح أن مفهومي الثقافة العربية والثقافة الأوربية لم تعد ذات مفاهيم محددة،بل أصبحت في كثير من الأحيان ترفا فكريا،ومع ذلك فإننا نظن أن المفهوم صالح للتمييز إذ لا نستطيع أن نلغي التمايز بين الثقافات، بل إن الثقافات في أوربا نفسها تدعو إلى التمايز : فالثقافة الفرنسية ليست هي الثقافة الإنجليزية،والثقافة الأمريكية ليست هي الثقافة اليابانية،وترانا نحن بجرة قلم ننسى هذه المعطيات لننساق وراء قراءات غير مكتملة تصحح نفسها باستمرار .
ليكن واضحا الآن أن تجربة الأشكال لم تصل إلى نتيجة حاسمة في ما يتعلق بالبحث عن مسرح عربي ناضج يعتمد طرقه الذاتية وأدوات اشتغاله الخاصة،فلم يستطع المسرحيون العرب أن يفرضوا طرق عملهم،فاضطرتهم إكراهات العمل إلى التخلي عن جوهر العمل المسرحي إلى مغازلة جمهور أغلبه لا يقرأ ولا يكتب.
4-     لماذا لا يستطيع العقل العربي التمييز بين القصة والرواية؟
إذا عدنا إلى الوراء قليلا- في كتابات القدماء- سنعثر على مفتاح مهم يجيبنا على السؤال، إن العربي لا يعرف ولا يدرك إلا فعلا سرديا واحدا هو "حكى/ يحكي" وكل الأفعال التي في معناه لا يفهمها العقل العربي إلا بمعنى الحكي،مادة قولية يرسلها المتكلم نحو المخاطب وتشتمل على حدث.
عندما اصطدمنا بالأجناس الحديثة لم نستطع أن نميز- أو بالأحرى لم يستطع عقلنا أن يميز- بين الرواية والأجناس السردية الأخرى القريبة منها كالقصة القصيرة والأقصوصة والنثيرة. ولعل السبب في ذلك يرجع كما قلتا سابقا إلى أن العقل العربي فارغ من محتوى الرواية بالمفهوم الأوربي بسبب عدم توفر المقابل الأدبي في أدبنا.نعم إننا نمتلك رصيدا سرديا كبيرا ولكنه رصيد مختلف،وحُقَّ له أن يكون مختلفا،وينبغي أن ننظر إليه في حجمه الطبيعي ونستفيد من الجوانب الحَرية بالاستفادة، دون أن نحمل الأدب والتراث السردي أكثر مما يحتمل.
في مقال نقدي نشرته مجلة نزوى يتحدث سعيد الغانمي عن علاقة السرد بالحياة ننقل كلامه لأهميته:" إن كون الحياة ذات صلة بالسرد أمر كان معروفا دائما، وقد تكرر قوله كثيرا، فنحن نتحدث عن قصة حياة لنصف التواشج بين الميلاد والموت. مع ذلك، فان المماثلة بين الحياة والقصة ليست واضحة في الواقع، ولابد من وضعها تحت طائلة الشك النقدي. وهذا الشك هو عمل كل المعرفة التي استحصلتها العقود القليلة الماضية حول السرد، وهي معرفة يبدو أنها تفصل السرد عن التجربة الحية وتقصره على منطقة الخيال. سنمضي، أولا، لاختراق هذه المنطقة النقدية ونسعى لإعادة التفكير بطريقة أخرى في هذه العلاقة المسرفة في التبسيط والمباشرة جدا بين التاريخ والحياة"إن ما يتحدث عنه الباحث هو العلاقة بين السرد/الجنس وبين الحياة/الواقع؛فلا نستطيع تمثل الجنس الأدبي إلا إذا كان نابعا من طبيعة الحياة العربية وله مقابل في بنية العقل العربي الأدبي،أما والأمر صعب فإن الحديث عن أجناس عربية قريبة من الأجناس الأوربية فهو محض اختلاق.
5-   إذا ما العمل؟
لا شك أن الخطوة الأولى الناجحة – في نظرنا- أن ننسى الآخر ، لندع الأوربيين يكتبون كما يحلو لهم إن هذا الأمر لا يزعجنا،ولندعهم يسبقوننا في مجال الأدب والنقد،فنحن لا محالة نخسر المعركة لو حاولنا اللحاق بهم،في نفس الوقت لن نربح كثيرا إذا نحن تساوينا معهم، لأنهم هم أيضا يشتكون من أزمة مناهج و أزمة حقيقة وأزمة قراءة...
المرحلة الثانية التي نعتبرها أساسية هي الرجوع إلى تراثنا – ليس بالمفهوم المتحفي نسبة إلى المتحف-و لكن باعتبار التراث إبداعا متجددا بتجدد القراءة والنقد، ونعمل على تأصيله وتبويبه والبناء عليه ولا يهمنا في هذه المرحلة إلى أين نصل.
المرحلة الثالثة هي تطوير الأشكال السردية العربية ،وبنفس المنطق لا يهمنا أن تتفق مع الجنس بالمفهوم الغربي أو أن تختلف عنه ،فما يهمنا هو استنطاق هذه الأشكال من الداخل بغية الاستفادة منها،فهناك في نظرنا أشكال سردية حالت ظروف تاريخية وسياسية,وأحيانا ظروف دينية وعقدية عن تطورها بشكل طبيعي،وهدفنا هو إيجاد هذه الظروف لتتطور هذه الأشكال بطريقة طبيعية،أريد أن أنبه هنا إلى أن أرفع وأشهر نص تراثي وصلنا هو كتاب"ألف ليلة و ليلة" ولا يخفى طابعه السياسي على الدارسين رغم ما يبدو من حالات فرجوية وتعليمية ...هذا الكتاب وكتب أخرى مشابهة تعطينا مفاتيح مهمة لفهم طبيعة السرد العربي وطرق عرضه.
المرحلة الرابعة:أن نحاول الانطلاق من العناصر الثابتة في تراثنا الأدبي ،فهناك بعض الثوابت التي تخفى حتى على القراء المحترفين،أكتفي بمثال واحد :السرد العربي حينما يتعامل مع "الفأر"يجعله دائما رمزا للفسق والعدوان والخديعة،فهو عنصر غير مرغوب فيه،ولا ينتبه العقل العربي لا إلى سرعة الفأر ولا إلى نحافته ولا إلى لطفه،في حين الفأر في السرد الغربي "حكايات لافنتين على سبيل المثال"يصبح الفأر مدللا يرمز إلى الطهر،فهو المساعد للضعيف الجالب للخير، فعلى الناقد والمبدع أن ينتبها إلى هذه الخصوصيات الدقيقة ويترجماهما في الأعمال الأدبية وإلا كانا ناقلين بدون وعي للتاريخ والعقل.
خاتمة:
اهتمت هذه المداخلة بضرورة الوعي بقضية التأصيل لمفهوم الجنس الأدبي؛وهي لا تتوخى الحصر بقدر ما يهمها وضع اليد على بعض التجاوزات التي لا نعيرها اهتماما أثناء تسابقنا نحو الآخر:نقول له إننا أيضا لنا أجناس مثلما لكم أجناس وننسى في غمرة الصراع أننا متى لا نؤسس أدبنا ونقدنا الخاص،بل نقوم في الواقع بعملية أكثر خطورة هي التشويش على الآخر وعلى استغفال القارىء العربي الذي ما يزال حائرا ولسان حاله يقول: إذا كان ما يكتبه العقل العربي عربيا ،فإن ما يسمى بالعروبة باطلٌ !!.

الجمعة، 12 أغسطس 2005

مشروع كتابة رواية (السكين والوردة) 6.

الجزء الأول من هنا.
6-
الفصل الثالث

رفعت السيدة ستائر الغرفة فتسرب إلى الأرجاء قليل من أشعة الشمس الصباحية، لم تكن غرفة كبيرة، فهي تتسع لمكتب صغير عليه حزمة أوراق قديمة، وقلم حبر سائل مغلق بإحكام، وعلى طرف المكتب في الزاوية اليسرى إلى الحائط مزهرية زجاجية كانت السيدة قد وضعت فيها بضعة أزهار بنفسجية. وعلى الجدار المقابل للمكتب الصغير، إطار من خشب قديم يحيط بصورة عابسة لجندي ببزته الرسمية، ترتسم على شفتيه ثلث ابتسامة نكرى، تدل ملامحه على شاب لم يتجاوز العقد الثالث، عندما تنهمك السيدة في الكتابة تخلف الصورة وراءها لتحرسها من خوف أبدي، فقد انتقلت الصورة مع السيدة من منزل إلى آخر طيلة أربعين سنة، ظلت الصورة مسمرة في مكانها في نفس الجهة من الغرفة.

يعم الغرفة هدوء دافئ يتسرب عبر مسامات الجلد بروية فيخلق جوا من المتع الحسية التي لا تقاوم، ولأول وهلة تحس أنك في قطعة نائية من أجزاء الروح، الفوضى الجميلة المنعشة تنساب هادئة في سكون الغرفة كقطعة موسيقية تعزفها الأشياء الصغيرة المبعثرة في كل مكان.

قلت في نفسي: ما أغبى علماء النفس ! يجعلون الإنسان محورا لتأملاتهم النرجسية. مرآةً لإسقاط أمراضهم الضاربة في أعماق التاريخ، وينسون أن مجال علم النفس هو الأشياء. الأشياء الحقيرة التي لا ينتبه إليها أحد. والتي تصرفنا عن جوهرها لكي لا نعكر عذريتها بتأملاتنا الساذجة. تلك الأشياء الصغيرة التي تمدني بفرحة الطفولة!

تتذكر السيدة ذلك اليوم الصيفي حين هم عباس بمغادرة المدينة، حمل أمتعته القليلة ثم غادر. لم تكن الأسرة تمثل له الشيء الكثير، فقد ضيعت فيه الأسرة أهم ما يملك، أفقدته حضن الأم ومنطق الأشياء، ولولا أنه تعلق بالسيدة أكثر من أي شخص آخر ما فكر في العودة إلى المدينة، تتذكر السيدة هذا اليوم بمرارة، فهو يذكرها برائحة الكلاب النافقة بسبب الحر الشديد الذي اجتاح المدينة، يذكرها باختفاء عباس، ظنوه لفترة أنه قد نفق في مكان ما، أو ربما سجن كما في إحدى المرات حينما اتهم بالتقصير في تأدية الواجب. والحق أنه ضُبِطَ يدخن الحشيش في مركز المراقبة.

كان صدى الشاب ذي البزة العسكرية يتردد في أنحاء الغرفة بصمت رهيب منعش، كأنما سرى في الغرفة شذى سحر من تلك اللحظات الجميلة القليلة التي كانت السيدة تنتظرها كلما أقبل موسم حصاد وفير.

نادت السيدة فوصلها في الحال فطورها الصباحي. ارتشفت بضع رشفات من قهوتها ووضعت الكأس مباشرة أمام المزهرية. أخذت السيدة قلم الحبر السائل وبدأت تكتب في إحدى الأوراق. سجلت برنامجها اليومي باهتمام زائد، ولم تنس أن تخصص وقتا مهما لصديقاتها، عادة تبدأ نزهتها الصباحية مباشرة بعد تناول الفطور، يُسمع قرع عصاها وهي تنزل من السلم المؤدي إلى حديقة المنزل، لكن اليوم هو استثناء، فقد حبسها مطر خفيف يظهر ويختفي. لم تكن حالة الاختفاء حدثا عارضا في حياة السيدة، فقد توارثه أبناء العائلة جيلا بعد جيل، فأقرب حدث تذكره السيدة بوضوح ويتسرب إلى نفسها كحزمة من أشعة شمس خافتة هو اختفاء الجد الأكبر ذي الشارب الكبير العريض في طريقه إلى القدس بعد أن أنهى مناسك الحج بالديار المقدسة، تتناقل القرية أخبارا متضاربة بشأنه: بعضهم يرجح أن الجد الأكبر استقر في القدس وتزوج امرأة مقدسية، وبعضهم يؤكد وفاته حتى قبل أن يصل القدسَ، والذين يعرفون شخصية الجد الأكبر يرجحون موته في طريقه إلى القدس، فالجد الأكبر ليس معجبا بالنساء إلى الدرجة التي تجعله يترك القبيلة كلها والحياة كلها ليستقر في مكان بعيد مختلف كل الاختلاف وهو الذي لم يبرح القرية من قبل إلا ما ندر. والواقع أن السيدة – على خلاف الإجماع- ترجح زواجه: "هذا الصنف من الرجال لا يحفظ عهدا. الرجال الصامتون لا يحفظون عهدا". تردد السيدة كلما سُئِلَتْ عن قصة الجد الأكبر.

على أن للسيدة تاريخ طويل مع حوادث الاختفاء، حتى إن الأشياء الصغيرة الكثيرة تختفي من أمام عينيها من وقت لآخر. تختفي الأواني من المطبخ فجأة ولا يبقى لها أثر، وقد كان يحدث في سنوات المجاعات الكبرى أن يختفي الدقيق والسكر في كل ليلة. بقي الأمر على هذا الحال مدة من الزمن. وقد حاولت السيدة – وهي الأم الحريصة على ألا يموت صغارها جوعا- أن تراقب من مكمن قريب هذا الغريب الذي يسرق الطعام والأشياء، لكنها استسلمت في آخر الأمر واطمأنت إلى هذه الروح الغريبة التي تقاسمها الفاقة وقلة الحاجة، وعدتها فردا من العائلة، الجفاف والجوع لا يضمران البطون وحدها بل يهدان النفوس أيضا، يحولان القلوب الراضية المطمئنة إلى وحوش كاسرة قذرة، وَلَشُدَّ ما عرفت السيدة أن حراس البيت وساكنيه من الأرواح الأخرى قد تأذت من هذا الشر، فأصبحت تترك بعضا من الطعام وقليلا من جلود الدجاج في المطبخ المشرع على السماء قرب كانون صغير متفحم، ثم تعود إلى خبائها تنام مطمئنة الروح هادئة الروع كأنما نفضت عن نفسها تأنيب الضمير ووخز السنوات.

لقد تحققت من الأمر ولم تعد تشك في قناعتها بشأن اختفاء عباس، الواقع أنه لم يمت في حرب الصحراء المقدسة كما تصر على ذلك الروايات المتواترة، فليس هناك دليل يؤكد وفاته: ليس هناك جثة أو بقايا رفات، وإنما كل ما هنالك أنه لم يعد إلى المركز كما عاد بقية الجنود بعد إنهاء مهماتهم. لقد اختفى عباس فجأة دون أن يحس به أحد. أحد أصدقائه القدامى يؤكد بمرارة ويقين أن عباسا قد رُفع. " المسكين، لقد رُفع ! " بقي سر اختفائه غامضا عشرين سنة كاملة، حتى كلمني سردال ذلك الصباح على مائدة الإفطار ليعيد فتح جرح قديم اندمل أو كاد، لتقادم العهد وطول الانتظار، أما السيدة فلم تكن تشك في يوم من الأيام أنه حي يرزق، وأن حديث الناس عن اختفائه ليس سوى لقصر أفهامهم في تناول أسرار عائلية لا يدركون غايتها أو سر حدوثها. الحقيقة أن السيدة كانت بارعة في القياس، فقد أدركت بحدسها أن اختفاء عباس مدة من الزمن طالت أم قصرت لا تعني بالضرورة أنه قد مات. اختفاء الإنسان كاختفاء الأشياء. لا شيء يميز هذا عن ذاك. تدرك السيدة تمام الإدراك أن أشياءها الصغيرة كانت تظهر في أماكنها المعهودة بعد فترة من اختفائها. آخر شيء ظهر قبل أسبوعين تماما. أسطوانة قديمة من الألمنيوم كانت السيدة قد أخذتها من مخلفات الجنود الأمريكيين (في ما يعرف بعام مِريكانْ) واستعملتها لجمع الأغراض الصغيرة كالأزرار المهملة وبكرات الخيط والإبر وأشكال من الدبابيس الصدئة تعود إليها من حين لآخر. وجدتها في مكانها الذي اختفت منه، لم تستغرب الأمر فقد تعودت حصول ما هو أغرب من اختفاء هذه المهملات الصغيرة. فقد اختفى اللحم من القدر فجأة وحل محله قطعة قماش كبيرة ظلت تطبخ مع قليل من البطاطس والفاصوليا ساعة أو يزيد، ولولا سمك القماش وقسوته لذابَ مع الإدام، ولما حان العشاء نظر بعضهم إلى بعض فأشارت السيدة إلى الجميع أن يصمتوا ويسلموا لأصحاب المكان. فربما اشتد بهم الجوع فمروا بالقرب فاشتموا رائحة اللحم فأخذوه. والواقع أن أصحاب المكان ما كانوا ليأخذوا اللحم ويتركوا البطاطس والفاصوليا والإدام. والواقع أيضا أن أصحاب المكان هُما عباس وسردال. ظلت السيدة ترقب السماء نحو نصف ساعة حتى تتأكد من رحيل المطر. السماء ضرع لا ينضب. السماء سهام من المياه تمرق وتنسحب.كلما همت السيدة بالخروج تراجعت فاحتمت بسقيفة البيت، حتى إذا انقطع المطر وعزمت السيدة على الخروج برقت السماء من جديد فأفسدت عليها عزمها فتراجعت مرة أخرى. أرض موحلة وأوراق أشجار متفسخةٌ. يظهر الأفق البعيد شاحبا فقدَ امتداده. آثار أقدام كئيبة مغروزة في الصلصال المشبع بالماء، كوليد استقبلته الحياة بعملية قيصرية، الأنين في كل مكان. الأقدام الموحلة تنغرس في طبقات الطين كقارب قابع في بحيرة متجمدة. لقد مرَّ عباس من هنا. لقد عاد. وانتشت السيدة بالذكرى. استغرقت في حلم لذيذ. أحست بالدفء يطرد الصقيع من أنحاء جسمها المترهل. وقد بقيت على هذا الحال مدة من الزمن حتى ظنت بها الظنون. فقد كانت تتفقد قبر سردال الفارغ مرة بعد أخرى، تتحسس ما به من أسمال بدَّدَ نسيجها الزمن، رائحة الملابس والعرق المتجمد، ولو قدر للتاريخ أن يسجل تاريخ الروائح كما يسجل تاريخ السفهاء لتبدى العالم مختلفا، والماضي مختلفا، ولكانت حقيقة الإنسان غير التي نعرفها الآن. إن تاريخ الرائحة لا يمكنها أن تخطيء في صياغة التاريخ. فهي البصمة التي يجهد الإنسان في إخفائها عن مسرح الأحداث لوعيه التام بنتانتها البغيضة، لكن الرائحةَ التي كانتْ السيدة تسترجع بها الماضي كانت رائحة مختلفة...

الأحد، 10 يوليو 2005

مشروع كتابة رواية (السكين والوردة) 5.

الجزء الأول من هنا.
5-
الفصل الثاني

1- نمت كجيفة عفنة. رأيت جدتي التي ماتت قبل عشر سنوات، وعمتي التي ما زالت على قيد الحياة وبينهما نهر عظيم جارٍ، يترقرق ماؤه عذبا طريا كأنه زجاج ذائب. استفقت من نومي في الثانية صباحا، كانت الريح تعصف بقوة ويسمع صوتها على جنبات النوافذ، الأشجار تئن طربا كأنها تلد. لم أجد شيئا أفعله. فتحت قناة الجزيرة. مازالت غزة تئن. للأنين صوت أسد هزيل اعتزل ليموت وحيدا بشرف. سماء غزة مظلمة. شوارع غزة مقبرة لتجارب عقل فقد كل قيم الحياة، عقل متوحش تعرى أمام نفسه في المرآة. فشل إنساني فظيع. نفاق سياسي بغيض. لم يعد أحد يثق منذ اليوم في عقل متوحش فقد مشروعية وجوده. انتحر العقل والإنسان في مزبلة الحرب.
[ لن نفتح المعابر حتى لا نعطي الإسرائيليين فرصة تقسيم فلسطين بين الضفة والقطاع. لن نخرق معاهدة 2005.]
 (قصاصة من يومية عربية وجدتها عند بائع كران في وجدة)


يظنون أننا سنصدقهم، يظنون أنهم يتحدثون إلى شعب مغفل لا عقل له!
2- هم يعرفون أننا نصدقهم، لأنهم صنعونا على مقاس أحذيتهم وعلى استدارة رابطات أعناقهم. نحن نعرف أنهم يكذبون ومع ذلك نصدقهم. إنها معادلة لا يمكن أن يفهمها عاقل. الفلسطينيون، هؤلاء الرجال قد فضحونا، قد عرونا تماما. كشفوا نفاقنا وتخاذلنا. بأي وجه ننظر إلى أطفالنا ونسائنا، مرغوا وجوهنا في التراب قبل أن يمرغوا أنوف الصهاينة في خراء الخنازير. هؤلاء الأبطال كتبوا التاريخ بدلا عنا نحن "القاعدون المتحصنون" خلف نفاقنا. تذكرت قاعدة الاختصاص في النحو العربي القديم، وكيف يحرص عليها هؤلاء الأعراب المخنثون أكثر مما يحرصون على شرف أمهاتهم وبناتهم، يتشدقون بها ملء أفواههم ليعلم المستمع أنهم أكثر الناس صونا لفروع اللغة وأصولها، قلتُ: تزدهر البلاغة حينما تموت المواقف، تماما مثلما نقدم باقة من الورد أثناء عيادة المريض.
3- بقيت في فراشي ما يزيد على نصف ساعة أحدق في السقف، كان هناك نهر يجري بين خطوط الجبس المتعرجة كثعبان أملس، الصراصير تسبح في النهر بزعانف كأنها أشرعة سفن قديمة. تتناسل الصراصير بسرعة جنونية. تنقسم كالخلايا السرطانية محدثة جلبة ما يزال طنينها في أذنيَّ. الناس يبتلعون الصراصير بلذة عارمة. كانت جدتي تحاول أن تتجاوز النهر، تجاوزته بسرعة وكانت الصراصير ما تزال تلاحقها، كلما اقتربَتْ منها تناسلت أكثر. أحسست بيدٍ تمتد نحوي، سوداءُ يُغطيها زغبٌ قذرٌ، وعلى مرمى البصر ثلجٌ كأنه عِهنٌ غير منفوش، كان عباس العبد يحاول أن يصل إلى المكان، المكان يظهر ويختفي، أصبحتُ أنا هو المكان الوحيد في هذه الصحراء الممتدة بلا رحمة. كان صوت عباس يأتي متقطعا بينما كانت جدتي تواصل المسير إلى شجرة أو شيء كالشجرة معلق في الفراغ، لعلها "خروبة" كبيرة أو "صفصافة" صغيرة، كانت الصراصير تحوم حولها، محدثة موسيقى باردة.
4- استفقت على وقع أقدام عباس يخبرني بضرورة التحرك سريعا، ربما كان في نيته أن يتابع دعوته إلى القبائل التي لم يصلها أحد من قبل.
- استعد يا سيد «س» سنغادر بعد القصف الأول.
لم أكلف نفسي عنت الرد، ولا حتى مجرد التساؤل عن الوجهة الجديدة التي سنسلكها، من عادة الأنبياء ألا يُسألوا عما يخططون له، ومن عادة المؤمنين ألا يَسألوا عن أشياء إن تُبدَ لهم تسؤهم. الامتثال المطلق إيمان مطلق. المواطنة الكاملة هي الامتثال الكامل. لقد نسي عباس حتى اسمي، أنا بالنسبة له لست سوى صوت لا أصل له، مجرد حرف جبان لا معنى له. تذكرت لوحة مذهبة مرصعة بحروف متطايرة كأنها نحل شارد، عُلقت بإحكام في صالة الانتظار عند طبيب الأسنان. للحرف هناك قيمة جمالية تضاهي الإعجاز، أما أنا فلا معنى لاسمي. "استعد يا سيد « س »"، لقد سماني أبي سردالا، وسماني هو "س" لقد كان لاسمي معنى مع الأشياء، أما الآن فقد أصبحت الأشياء أكثر عمقا مني، ليتني كنت فنجان قهوة أو حتى [فِ]رْيَة ([1]) في جوف تاريخ عظيم، أنا الآن لا شيء، مجرد صوت بلا روح ولا معنى. الأشياءُ، تلك الموجودات المستفزة الهامدة تصنع حضارتنا المعاصرة، تؤثث نفوسنا الموحلة، الموغلة في تاريخ الفوضى. الأشياء الصغيرة تحكم العالم الكبير. لكن، قلت في نفسي: من أين تستمد الأشياء الصغيرة سلطتها؟ وهؤلاء الذين سيلتقي بهم عباس، وهو يراهن على أنهم سيذعنون لمشيئته، أي سلطة تقودهم ليسلموا له أرواحهم وقلوبهم المفعمة بالفوضى؟ إنها سلطة الأشياء الصغيرة، الأشياء التي تحيط عوالمنا الداخلية بضوضائها التي لا تنتهي، والتي تفصلنا عن جوهرنا، وتحول بيننا وبين الاستماع إلى موسيقى ذواتنا المهجورة، تتحكم في مصائرنا كأنها قَدَرٌ جديد يسلبنا الإرادة.
«5- لحظة أولى:
المكان: مقهى لوازيس بوجدة.
الزمان: الأحد 08/02/2009، الساعة 11و 31 دقيقة صباحا.
الإيقاع: تماهٍ بين كأس أبيض هو خلاصة ما وصلت إليه الحضارات القديمة، ومجموعة من ثلاث كتب وجريدة يوم الجمعة الفائت. الكأس يحتضن القهوة بحنان أموميٍّ، وبين الكتب الثلاث تيارات جارفة متبادلة من العشق السماوي، وإيقاع موسيقي يخترق حجب التاريخ المظلم وأسيجة المستقبل المرعب.
رَنَّ أحدُ الهواتف النَّقالة، رن بصوت منكرٍ مزعج، وقف الناس جميعا يتحسسون جيوبهم، ومناطق أخرى من أجسادهم، كل واحد منهم يظن أن هاتفه الخلويَّ هو الذي يرن في جيبه. ما أحدثه الهاتف النقال لا يمكن أن يحدثه صوت المؤذن ينادي الناس لبلوغ السماء.
قلتُ: لو أن "فرقعة" مدوية خرجت من تحت سروال أحدهم، هل كانوا يتفقدون مؤخراتهم بحثا عن مصدر الفرقعة؟ لا شك أنهم لن يقفوا، لأن كل واحد منهم يعتقد في أعماق نفسه أنه أطهر الناس جميعا، وأن الآخرين هم أكثر قذارة.»
«6- لحظة ثانية:
الزمان: 13/09/1999، العاشرة و سبع دقائق مساءً.
المكان: أحد فنادق إنزكان قرب محطة الحافلات.
الإيقاع: أشجار الشارع الكبير تلعن ضجيج السيارات، تسعلُ بعمق فتتأرجح ذات اليمين وذات اليسار محدثة تيارا ت من الدخان المتصاعد من مواقد الشواء حول المطاعم المنتشرة بلا معنى.
في نقطة تجمع الطرق، على مقربة من الفندق، أمام لوحة إشهارية كبيرة تعلن عن منتج جديد من الهواتف النقالة، جلس أحد المتسولين ليفرغ ما بجسده من سوائل النهار، وما جمعه في بطنه من رواسب المتصدقين.
قلت: أيهما أكثر وعيا وأعظم إدراكا لجواهر الأشياء، المجانين أم أولئك الذين يدَّعون التعقل أمام الأشياء؟ أليس ما فعله هذا المتسول هو خلاصة تجارب الإنسانية كلها منذ أن بدأ الإنسان في التفكير، كل أشكال التعقل الرصينة لا بد أن توصلنا إلى هذا الموقف العميق الذي صدر من هذا الرجل. لقد فعل ما لم نستطع نحن أن نفعله، لقد جعلني أشعر بالخجل أمام تعقلي الأحمق.»
«7- لحظة ثالثة:
الإيقاع: الأشياء المحيطة بالإنسان والحيوان تكاد تنصهر من الحر، الأدمغة تغلي ورائحة الزفت تتصاعد من الطريق المشققة، التي كأنها لسان كلب مسعور، الطيور هجرت السماء، ليس هناك نسمة هواء واحدة. تحس أن وجوه البشر ليست سوى قطع فحم بللها المطر.
الزمان: الجمعة 13/06/1986. بين الثانية والثالثة مساءً.
المكان: أمام بوابة ثكنة القوات المساعدة، في طريق ملعب الكرة المستطيلة بوجدة.
تركني أبي هناك أستظل تحت الشجرة الكبيرة التي غرسها المستعمر الفرنسي مشكورا، بعد لحظات خرج أحد الأطفال من الثكنة على دراجة هوائية ثلاثية العجلات، زرقاء اللون مع حمرة بادية في الخلف، حاول الطفل أن ينزل بدراجته الرصيف الصخري. سقط الطفل من الدراجة على وجهه. جُرح الطفل جرحا صغيرا على خده. اجتمع رجال القوات المساعدة، بعضهم يمسح وجه الطفل. وبعضهم ذهب مسرعا لجلب بعض الضمادات.
أما رجل آخر فجاء مسرعا نحوي، وكنت ما أزال أنتظر عودة أبي تحت الشجرة الكبيرة التي لم نغرسها نحن، صفعني الرجل صفعة شديدة على خدي، وأدخلني الثكنة العسكرية. وسمعته يقول لأحدهم هذا هو الكلب ابن الزانية الذي دفع الطفل فسقط. ولما أكد له حارس الباب أنني بريء من إسقاط الطفل. قال لي يا ابن الزانية صفعتك حتى تصبح رجلا!
قلت:تأكدت منذ تلك اللحظة وأنا طفل صغير، أنه لم يصنع مني رجلا، وإنما صنع مني وحشاً، وأقسمت حينها أنه لو أتيحت لي فرصة قتله ما ترددت لحظة واحدة. لما سمعت بوفاته الطبيعية حمدت الله وغفرتُ له إكراما لذلك الرجل الذي شهد ببراءتي.»
«8- لحظة رابعة:
الإيقاع: الناس مثل الحجر لولا أنهم يتكلمون، يشكلون مع ساحة السوق الكبير إطارا لسخافات لا تنتهي. النساء ملثمات من أعلى الرأس حتى أخمص القدمين، لا ترى منهن سوى حركات الرأس وعين واحدة سوداء تتحرك ذات اليمين وذات الشمال، تتراقص تحت اللثام كأنها جانٌّ، يتكئن إلى جدار المستوصف الذي يشبه معتقلا للخوف، مباشرة أمام واجهة مربط الحمير والبغال.
المكان: السوق الأسبوعي في قرية عين الصفاء 34 كلم غرب مدينة وجدة.
الزمان: صباح يوم سبت في شهر رمضان عام 1978.
كان عمره لا يزيد عن ست سنوات، اصطحبته جدته إلى السوق، وكانت الأخبار قد تسربت إلى القرية بأن هناك من يختطف الأطفال، ترسخ في ذهنه أن هناك من يسرق الأطفال، وبما أنه طفل فإن المسألة تعنيه. في الرحبة المخصصة لبيع اللوز، ناداه رجل كَرِشٌ واختاره من بين جميع المارين، أن يتذوق له نوعين من اللوز، لعل الرجل كان يريد التمييز بين اللوز المر واللوز الحلو، تذكر الطفل ذو الست سنوات قصص خطف الأطفال التي كانت تتردد في القرية، نظر من حوله فرأى الرجل الكرش ما يزال مصرا على طلبه، تفرس في الوجوه حواليه: لابد أن يكون كل هؤلاء لصوص أطفال، انتفض من يد جدته وهرب مسرعا باكيا يختبئ بين الناس في السوق الكبير أمام دهشة الجميع، الناس يلاحقونه ليعرفوا ما أصابه وهو يجري وينادي: اللصوص اللصوص، أنقذوني أنقذوني.
قلتُ: لقد تعلمت الدهشة ممزوجة بخوف أسطوري من الوجود: الدهشة أمام الأشياء والمواقف هي بداية التعلم المباشر، والخوف هو صمام الأمان لكي لا تقع الذات المندهشة في الخطأ. لقد أدركت في ما بعد أن الدهشة هي التي دفعت سردالا ليؤمن بنبوءة عباس تماما مثلما كانت الدهشة سببا في احترامي لعبد السلام، ولكن مع ذالك أعترف أنني لم أستطع إلى الآن أن أفهم الآلية التي تتم بها هذه العملية السحرية الرائعة: أي كيف يمكن للدهشة أمام الأشياء أن تعطيك قوة لتفسير عوالم لا تدرك بالحواس المباشرة. الدهشة قادتني مرة أخرى إلى اكتشاف عظيم ينصهر فيه الزمان والمكان، في لحظة إيقاعية جديرة بالتأمل، عندئذ أدركت أنني قد خسرتُ ذاتي إلى الأبد. »
«9- لحظة خامسة:
المكان: في غرفة مكتبي، الآي ماك (iMac) مفتوح على النسخة السابعة من هذه الرواية. (حتى لم أعد أعرف الناسخ من المنسوخ.)
الإيقاع: الأشياء الصغيرة تحيط بي من كل جانب، تغمرني إيقاعاتها البطيئة بلحظات من الأسى. العمر الافتراضي لهذه الأشياء الصغيرة - بكل المقاييس- أكثر من عمري. أكاد أقبض على هذه اللحظات بأصابعي. أكاد أخنقها بزفراتي. إنها لحظات تتطاير شراراتها في الغرفة على غير نظام، تخرج من الغرفة إلى العالم الخارجي دون أثر للرجوع. تتصرم من بين أناملي باستخفاف ظاهر كأنها تتحكم في رقاب البشر. أي نوع من البشر نحن؟ إنني أراها ترسم دوائر متداخلة على سقف الغرفة. ثم تغادر.
الزمان: الأربعاء 11/02/2009
"أم كلثوم تغني" "سلوا قلبي" وأنا أحاول أن أقبض على هذه اللحظات المتطايرة في الغرفة. كلما حاولت أن أصف لحظة من اللحظات، أصبحَتْ جزءا من الماضي. الماضي بئر عميق. مقبرة للحظات المنتشرة بلا نظام في سجل لا أبعاد له. لا فرق بين التاريخ والمقبرة: التاريخ هو مزبلة اللحظات الزمنية، والمقبرة هي مزبلة المادة المتحللة. ومن الغريب أن يعيش الإنسان بين مزبلتين مرفوع الرأس بلا خجل أو حياء...»
قلتُ: لهذا السبب يحاول العقل أن يخدعنا. لا يجسد تاريخ الفكر إلا سلبيات العقل وقصوره، ولم يكن العقل في يوم من الأيام حارسا أمينا للمعرفة الإنسانية، وكلما ازداد اعتقادي في أهمية العقل كلما ازدادت شكوكي حول القيم نفسها، الإنسان الشعبي أكثر سعادة من المفكر، يا إلهي! كلما ازددت تعقلا في إدراك الأشياء كلما ازدادت تعاستي، فأين العقل المرح ؟
وقلتُ أيضا: تلك العصافير تدغدغ مؤخرة رأسي، قليل من النمل في أخمص قدمي اليمنى، لا تتبين عيني اليمنى ما تراه عيني اليسرى، الكثير من الهذيان يسبب لي الملل، لكنني أتبين بوضوح أضواء المدينة بعيدة كشموع تحترق، من يدري ربما ينتهي العقل أخيرا بانتهاء المدينة.
«10- لحظة سادسة:
الزمان: اليوم السابع والثلاثون من شهر حُزَعْبِقالْ، يومان بعد الموجة الأولى.
الإيقاع: الناس يسيرون بحركات غريبة، كل شيء يبدو أمامي معكوسا، سيارات الأجرة الطويلة جدا، تسير بلا عجلات إلى الخلف على مقربة من أرض سوداء عليها أثر حريق قريب، الناس يعبرون الطرق بالمقلوب، كلما أردتُ أن أقترب من أحدهم أحسُّ أنه يبتعدُ عني بمسافة. لا تصدر من الأشجار أية موسيقى. لم أعد أسمع موسيقى الأشجار، ولم أعد أشتم رائحة الصوت. أرى شفاها تتحرك. نساء عاريات تماما لكن لا عورة لهن، ورجال كساهم الشعر الأسود العنيف كأنهم قرود بشرية.
المكان: في مكان ما يشبه "وجدة". لم أعد أتذكر التفاصيل. لكنني متأكد أن المكان هو وجدة، والدليل هو أن ساعة البلدية، والصومعة الطويلة الممتدة، لم يبرحا مكانهما، مع فارق بسيط هو أن ساعة البلدية قد استحالت إلى سطل ماء كبير، كأنه حوض سَقْيٍ أو شيءٌ يُشْبِهُ قبعة كبيرة من خشب. كتب تحتها بخط عريض: "إننا نعيش كالآلهة ونموت كالبهائم".
لم أتعرف على أحد ممن كنت أعرفهم، لكن عباسا كان يمسك بجريدة تتطاير منها الحروف، كأنها سرب نحل جامح، يحاول عباس أن يُثَبِّتَ الحروف الهاربة على الصفحة بِريقِ لسانه، وهي نفس الحركة التي كنت أراها في مصلحة البريد عندما أكلف نفسي بإرسال مقالاتي إلى كبرى المجلات العربية ولا ينشرها أحد، لكن كلما ثَبَّت عباس حرفا انسَلَّتْ من تحت أصابعه حروف أخرى. تتناسل الحروف كخلية سرطانية. ترفسها الأرجل في الممرات الضيقة. أسمع حسيسها كأنه حشرجة هواء يُحْتضَرُ. عباس يجري وراء الحروف يطاردها. يتوسل إلى المارة أن يساعدوه على التقاطها، تمر أمام أنوفهم لكنهم لا يرونها. تستقر في رئاتهم لكنهم لا يحسون بدبيبها. تخدش ما بين صماخ آذانهم لكنهم لا يسمعون موسيقاها.
قُلْتُ: آلهةٌ في الصَّباحِ، بَهائِمُ في الليلِ، لم يعد باستطاعتنا أن نسيطر على ذَواتنا. الإنسانُ، ذلك المقدسُ يندثر من الوجود بسرعة جنونية. يتلاشى أمام أعيننا دون أن نعيَ مصيره المحتوم، تتناسل مخلوقات جديدة غريبة تشبه جسدَ إنسان. لها صوت إنسان، حركة إنسان ، لون إنسان ، لكن وسْط هذه الدوامة التي لا تنتهي يغيب الإنسان ويبقى الصوت والحركة واللون.»
هل يمكن لهذه المخلوقات أن تفهم نبوءتي؟ تساءل عباس في شك يشبه اليقين وانزوى إلى ركن مغبر في طرف الشارع الكبير، تحت الساعة التي كأنها سطل ماء، وكانت الحروف ما تزال تنط من الجريدة مبتعدة في دوائر نحو الأعلى. أما عباس فكان يتابعها بابتسامة علمية اخترقت حدود المكان.
11-كنت ما أزال منهمكا في قراءاتي حول طرق تجارة التوابل في الصين القديمة، وفي الوقت نفسه برمَجتُ كتابين جديدين أقرأ منهما كل مساء بعد المغرب، وكان قصدي أن أجد عباسا في إحدى هذه الطرق الكثيرة الموغلة في الذاكرة، وبينما كنت أتلمس طريقا للمعرفة، وجدت نفسي وجها لوجه مع بعض الأشياء التي تركها عباس في إحدى الذاكرات القديمة الصدئة، وقد يكون غيَّرَها بعد تلف أصابها، قضيت وقتا طويلا أرمم بعض الأحداث من ذاكرة عباس حتى أحسست بدماغي يسيل من أذنيَّ، وما أثارني حقا هو أن الأحداث نفسها إذا رُممت تحولت إلى شيء آخر مختلف، عند ذاك تذكرت أنني بصدد كتابة رواية، وأن دماغي يحتاج إلى الكثير من الرائحة.
أخذت حماما ساخنا مدة نصف ساعة، ارتديتُ ملابسي. حلقت ذقني حتى أصبح وجهي أبلقَ براقا. مشطت شعري جيدا على غير عادتي، ارتديت بعد ذلك قميصا أسودَ تعتليه خطوط عمودية بيضاء. أحكمْت وضع رابطة عنق سوداء منمقة بورود صغيرة حمراء، أهدتها لي أمي بمناسبة حصولي على درجة الدكتوراه ([2]).
- أين أنت ذاهب يا أبي؟ سألني أيوب مندهشا.
- سأنام. قلتُ.
نظر إلي ابني وقد زالت الدهشة قائلا:
- لا تنس يا أبي أن تلبس حذاءكَ! قالها بصوت واثق رخيم. فتأكد لي أن أيوب هو من سيخلفني على عرش التفلسف المرح.
لم أعد قادرا على تطوير هذه الرواية، الشخصيات الرئيسية التي عجنتها بيديَّ تتمرد عليَّ، أصبحت تتحكم في مصيري، توجهني إلى مسارات متعرجة ما كنت أريد أن أقترب منها، يا إلهي من يكتبُ الآخرَ؟ من يخطط على الورق ويقضي الساعات يرسم الوجوه والهمسات والعيون؟ إنني أشعر برعب حقيقي لا يمكنني تصوره إزاء الكتابة اللعينة، أصبحت تمتلكني، تسجنني في أحشائها، الحروف المتطايرة أمام عيني تحجب عني رؤية الأفق القريب. أنني أذوب في عشقها الأبدي، ولكنها تتخذ مسوح الرهبان لتمنع عني أسرارها الملتهبة. الأمكنة والأزمنة سجون أبدية تعمق جرح النفوس التواقة للحرية، لا يمكنك أن تتصور ألم الرعب ممزوجا بالحرية، فَتَحْتَ سقفِ الكتابة وحدها يتعايش الرعب ممزوجا بحُرية وهمية.
الحرية ! أجل الحرية ! في الواقع علينا أن نشكر الجلادين، ونصنع لهم تماثيل ذهبية. فقد علمونا معنى الحرية. ولأننا لا نستطيع أن نرى الأفق بوضوح ترانا نلعنهم في أسرارنا لكننا في أعماقنا ندين لهم بأعز ما فينا: الشعلة التواقة لمعانقة الزهور.
12- قلت في نفسي: الرواية نبوءة بدون تعاليم تطمس هويتها. نبوءة حرة كزهرة تميس في حقول القمح مشبعة بندى الصباح. إنها جمال فطري لم تعد أنوفنا المتخمة برائحة أجسادنا تستطيع أن تتذوقه.
لم أكن أريد أن أملي على شخصياتي ما ينبغي عليها أن تقوم به رغم أنني كنت أعلم علم اليقين أنها تتمرد عليَّ. كنت أريدها أن تكون حرة تقهر إرادتي، لكنها حسنا فَعَلَتْ حينما اضطرتني إلى أن أعيد مخططاتي.
الحقيقة الأسمى التي قدمتها الرواية لي هي أنها جعلتني أكتب تاريخي المعجون برائحة القذارة، وإني لأعجب أشد العجب لأولئك الروائيين الذين يكتبون رواية منظمة منطقية الأحداث. إنهم يقترفون جرما كبيرا لأنهم يشوهون صورة الواقع والحياة، فالنظام الذي نراه في الحياة والكون ليس سوى انعكاس عقولنا المنظمة.
- العقول المنظمة لا تحكم العالم. قال عباس.
- العالم يحكم العقل. قلت بخبث، وفي ذاكرتي ترتسم سنون من القحط الموروث من أعماق تخلف قبيلتي التي لم يتبق لها من مفردات العزة والنخوة والشهامة الزائفة إلا منحوتات هرئة متآكلة.
- لقد سقط التمثال. قال سردال.
- لقد سقطنا. قلتُ. واختبأت في أعماق ذاكرتي. في اللحظة التي كان فيها عباس يشق طريقه نحو منعرجات غيبوبة غير مفهومة يبشرُ الناس بحياة جديدة، ومتعة تأمل الأشياء الصغيرة التي لا يكاد الواحد منا أن يبصرها، بل يتعثر فيها ويلعن الطريق. أما سردال فاختفى من أمامي كسحابة صيفية.
هممت بالخروج إلى الكلية. امتطيت دراجتي الهوائية نصف المحطمة، يسمع أزيزها كقطار منطلق. أحكمت شدَّ محفظتي الجلدية السوداء المصنوعة من جلد بغل نافق على الحامل الحديدي البارد. وما هي إلا نصف ساعة حتى كنت أتصبب عرقا ككلب يلهث في عز الصيف. لكنني لا أتذكر سعادة كتلك التي كنت أحس بها وأنا أستمتع بالمحاضرات المملة التي كانت تلقى في مدرجات الجامعة. ثم فكرت وقلتُ: هاهي ذي الجيفة العفة قد استحالتْ إلى شيء يشبه أريج أزهار مبللة بماء مقطر. ثم بعد مدة أحسست بصديقي عمر يوقظني من غفوتي: استيقظ انتهت المحاضرة. ثم تقاذفتني العيون بنظرات حادة ساخرة. لكن أكثر ما ساءني هو خشيتي من أن يمتد شخيري في المدرج إلى مسامع الجميع. حتى طمأنني عمر بأنه لم يبدر مني أي صوتٍ. لا المندوبة ولا المكروهةِ. فحمدتُ الله وانصرفنا.

==================
[1] - في النسخة الأصلية : ...رْيَةٍ، الحرف الأول في حالة شرود ذهني، وقد اجتهدت في طلب المراد، فقلت: لعله يقصد فِرية بمعنى كذبة أو قرية ولا أخفي على القارئ الكريم أنني رجحت أول الأمر خَرية، لكنني عدلت عنها لأنه لا يجوز للروائي ما يجوز للشاعر كما يجوز للفقيه ما لا يجوز لغيره.
[2] - بلغني من مصدر موثوق أن عباسا لما أخذ درجة الدكتوراه تقدم منه أحد الأساتذة فسأله عن مشاريعه العلمية المستقبلية. فكان جوابه أن أهم مشروع يفكر فيه هو أن يعرض نفسه على طبيب نفسي.

الجمعة، 3 يونيو 2005

مشروع كتابة رواية (السكين والوردة) 4.

الجزء الأول من هنا.
الجزء الثاني من هنا.
الجزء الثالث من هنا

4- "أتصور تاريخا طويلا يحمل ذيلا طويلا من أذيال الخيبة الطويلة"، ومع أنني أدرك اليوم أكثر من أي وقت مضى أن الحياة الفكرية يجب أن ترقى إلى درجة تحطيم الذات فإنني في الوقت نفسه أدرك أن العقل الذي ندافع عنه لا يمكنه أن يتحقق في حياتنا القصيرة إلا إذا فهمنا فلسفة عباس العبد وإشاراته الرائعة، ولن يتحقق هذا الحلم إلا بتحطيم الذات. مجرد فهم الأشياء لا يوحي بشيء ذي أهمية عقلية، ولكن الأهم أن نصنع من هذا الفهم مسافة تبعدنا عن الانصهار في أعماق الإخفاق.

تركت سردال في تلك الليلة يبحث عن مخرج لورطته مع عباس، لم يكن أمره يهمني كثيرا، لقد انقطعت الصلة بيني وبينه عندما هممت بإلقاء محاضرة في فلسفة الشعر، وكم كنت سعيدا ومحظوظا آنذاك لأن لا أحد كان يفهم ما أقول، وكنت ألحظ على وجوه المستمعين دهشة طفولتي الأولى وهم يحاولون أن يعيشوا لحظات لم توفرها لهم أجواء المدينة التي تحفل بكل شيء سوى الإحساس بالشعر، ولم يكن يساورني أدنى شك في أنني كنت مزدوج الديانة ولم أكن موحدا، فقد كان الشعر دينا ثانيا لي، تماما كحالة متصوف في أيامه الأخيرة، ومن غريب الصدف أن أكثر من كانوا معجبين بعبقريتي الطفولية آنذاك أصبحوا في ما بعد – في فترة التعقل- من أشد الناس عداوة لي، ولست أفهم لحد الآن سر هذا التعارض بين بساطة الطفولة الأولى وتعقل الكبار حتى عندما اشتد عودي وهجرت الشعر، ولعل هذا السبب هو الذي غير حياتي الشعورية في دراساتي الجامعية، فلم أكن أستطيع التوفيق بين سحر الشعر وعداوة المقربين، أن يكون الشعر مهمة حياتك يعني أن تعيش في عزلة بعيدا عن الناس، ولذلك جعلت الشعر ينزوي في زاوية بعيدة عن أوجه الغرباء، وكان المتنبي وأبو العلاء المعري هما رفيقَيْ هذه العزلة الاختيارية.

لم يكن عباس العبد أكثر عزلة مني، فكلانا كان يفكر في نبوءة تأتي أو لا تأتي، وكلانا كان يدرك أن النبوءات لا يمكنها أن تنجح في مجتمع الشياطين، مجتمع يهيمن فيه الغموض على أشعة الشمس، كل ما تستطيع أن تفعله هو أن توطد نفسك على الرحيل منذ اليوم، قال عباس العبد موجها عينين ثاقبتين إلى سردال وهو يفكر في العودة إلى موطنه.

لكن أين الوطن؟ هنا أشعر بحرية أكثر، حتى أدق خصلات شعري تحس بهبة نسيم لم أحس به طوال حياتي. قال سردال بكثير من الأسى.

ليس للوطن حدود، الحدود تصنعها الكراهية، وتنفذها العقيدة. قال عباس. حتى حدود الجسد لا يمكنها أن تحد رغبتي في ركوب الأمواج، ولا يمكن للزمن أن يكون عقبة في طريق إشباع رغبتي في أن أكون ذرة في جذر شجرة أو حتى دودة بئيسة في قلب جيفة نتنة، إنني أتمثل الموت شاخصا أمامي في كل لحظة، أشم رائحته في مسامات جلدي، وفي تصببات عرقي، يا إلهي كيف يمكن الرجوع إلى الوطن الذي يسكننا ولا نكاد نحس به، إن أكبر مشاكلنا المعاصرة لا تساوي شيئا أمام هوله المرعب لو امتلكنا إحساس فراشة في يومها الأخير.

ما تزال النافذة مُشْرَعَةً. أغلقتها. أغلقتها بإحكامٍ. نظرت إلى السقفِ. تأَمَّلْتُهُ. أسلاكُ المصباح دالية مثقلة بالضوء. يبدو بضوئه كنجم شاردٍ. إنه موت رائع سيحسدني عليه الناس، وستضطر الصحافة للبحث عن مقدمات وخواتم رائعة. ستذكرني الصحف أخيرا. انطلق خيال الصحافة أخيرا. وضعوا عشرات الاحتمالات هذا الصباح، لكن ما أثارني هو عنوان عريض وجدته بالصدفة وأنا أتصفح زاوية التأبين. المبدع الكبير الدكتور كارسيا ماركيز المغربي وجد منتحرا في غرفته يومه الجمعة، وفي هذا اليوم قال الناس بالإجماع: لقد خسر المغرب أحد أعظم مفكريه. ضحكت من أعماقي: لأنهم يكذبون. حتى أولئك الأقزام الذين لم يكونوا يعترفون بعبقريتي اعترفوا أخيرا، ما أجمل الموت... رأيتهم يقدمون لأسرتي صدقةً لشراء كفني. رفضها ابني أيوب: سمعته يذكرهم بوصيتي: الأنبياء لا يقبلون الصدقة. وعلمت منذ تلك اللحظة أنه سيكون روائيا عظيما.

بدأت أولى زخات نوفمبر تحدث مسارات عنيفة على النافذة المشبعة بالغبار، تذكر عباس كحل زوجته عند الفراق. تحسر بمرارة. أدار ظهره للباب الخشبي. اقترب من النافذة. ما أجمل أن يراقب الرجل العالم من شرفة غرفته. قال بصوت يشبه الهمس كأنما يحدث شخصا قريبا منه.

فتحتُ النافذة. تحسست زخات الماء بأنامل متورمة، تنبعث من الماء روائح الكبريت، ونسمات الهواء مبللة برائحة المزبلة القريبة تزكم النفوس، القذارة تعم المكان، فكَّرتُ: هذه أبلد لحظة يموت فيها الإنسان، الكون الواحد لا يمكن أن يتسع للإنسان. لذلك من الضروري أن يبحث الإنسان عن أكوان جديدة أكثر ضياء وأشد بهجة. من الضروري أن يبحث الإنسان في ذاته عن أكوان لم تكتشف بعد. من التعاسة أن يشتغل الإنسان طول حياته كحمار دون أن يفهم أن هذا العمل يسلب منه أعز ما يملك: أكوانه الداخلية، حياته الخاصة العميقة التي لم يقترب منها أبداً. قال عباس وهم بالانصراف. قاطعه سردال بأن العقل يفرض العودة إلى الواقع واختبار إمكانياته، لكن لم يبد على عباس أي اهتمام. فما يراه العقل فرضا ليس في حقيقة الأمر سوى سخافات ترسخت بفعل التكرار الذي يعلم الحمار. شخصيا لم يكن يهمني كثيرا الجدل بين سردال وعبد السلام، فلقد كنت أدرك أنهما سرعان ما يتفقان حينما يشعران بالجوع، لذلك كنت أحتاج فقط إلى بعض الوقت ريثما يتوقف المطر.

كانت السماء ما تزال ترسل وابلا من المياه، وكأنها تتقيأ بقايا قطع من البصل تتهشم على السطوح المغبرة فتتناثر محدثة فرقعة تشبه الشهب النارية، وكنت ما أزال حتى هذه الساعة أتأمل هذا المشهد الموغل في البدائية، أشفقت على عباس العبد: فعلى الأقل أنا الآن في مكتبي وبين كتبي تفصلني عن العالم شريحة زجاجية كأنما أرنو إلى شاشة كبيرة، أما عباس العبد فما يزال في العراء يبحث عن نبوءة محتملة كأنما يبحث عن سر مفقود.

أَعْجَبَتْني فِكْرَةُ عَبَّاسٍ، عَلى الأَقَلِّ هُناكَ عَمَلٌ جادٌّ هُوَ بِصَدَدِ القِيامِ بِهِ، لا يُهِمُّ إِنْ كانَ عَلى صَوابٍ أَوْ عَلى غَيْرِ صَوابٍ. أَمَّا أَنا فَأَقْبَعُ خَلْفَ تاريخٍ طَويلٍ عَقيمٍ مِنَ الكُتُبِ البَليدَةِ أُقَلِّبُ صَفَحاتِها كَأَنَّما أُقَلِّبُ جَماجِمَ المَوْتى وَأَرْواحَ الشَّياطينِ، أَدْفَعُ ضَريبَةَ بَقائِهِمْ أَحْياءً مِنْ راحَتي وَأَعْصابي، وَتِلْكَ هِيَ التَّعاسَةُ البَلْهاءُ. لَمْ أَجِدْ شَيْئا أَقومُ بِهِ سِوى أَنْ أُراجِعَ مُسْوَدَّاتي وَأَضْبِطَها بِالشَّكْلِ التَّامِّ، تَذَكَّرْتُ صَفْعَةً عَلى قَفايَ انْطَبَعَتْ عَلى ذاكِرَتي بِسَبَبِ "حِمْصَ"، إِذْ لَمْ يَكُنْ قَدْ سَبَقَ لي مَعْرِفَةُ هَذِهِ الكَلِمَةِ، فَضَبَطْتُها هَكَذا "حُمْصَ" فَقالَ لي المُعَلِّمُ ساخِرا : " أَضِفْ لَها الفُولَ حَتَّى تُفْهَمَ"، لَقَدْ وَخَزَتْني هَذِهِ الكَلِماتُ كَوَخْزِ الإِبَرِ، وَكُلَّما تَذَكَّرْتُ هَذِهِ الْكَلَمَةَ أُحِسُّ بِالأَلَمِ في بَطْني وَأَشْعُرُ بِرَغْبَةٍ شَديدَةٍ في التَّبَوُّلِ.

لم يكن سردال قد بال على سرواله سوى في المرة التي دعاه فيها عباس للمبارزة، لكنه يتذكر الآن أنها تجربة لا تنسى، وبرر الأمر بأن الرجال فقط هم الذين يبولون على أنفسهم إذا دعت الحاجة إلى ذلك، وهو إحساس لا يعرف قيمته إلا السياسيون المخضرمون، فبدل أن يبول الإنسان على الأشياء المحيطة به وعلى الناس، فإنه يبول على نفسه اتقاء لشرهم ودرءا للشبهة. تماما مثلما هو الحال مع السجن لا يدخله سوى الرجال.

كان هذا المبرر كافيا ليفهم عباس العبد أن ما جرى له من أحداث، وما تعرض له من إهانات لا يساوي شيئا من أجل تبليغ حكمته إلى الناس وأن ردسة البغل التي تعرض لها في طفولته الأولى على رأسه هي أكبر نعمة وهبت له في حياته، حتى غدا يرى العالم بشكل مختلف، عالم أكثر ضياء وإنسانية، وتذكر حين بحث عن أمه بجانبه في فراشه فلم يجدها. اغرورقت عينا عباس بالدموع، وسادتها المبطنة بصوف الخرفان ما تزال دافئة. أحس عباس بدفئها يسري في عظامه. تأمل الحجرة. أركانها. بابها الخشبي المهترىء. السرير الترابي المسلح بأغصان اللوز وأحراش الخروب في أقصى الزاوية إلى اليمين. جراب اللبن معلق إلى خشبة في السقف. لا يظهر من السقف سوى خشبتين. أكثر السقف مغلف بالبلاستيك لمنع الماء من التسرب، تفوح من تحته رائحة الصراصير النافقة وسط بركة من ماء، تميل ذات اليمين وذات الشمال، وكلب ينبح في الحوش كأنه وحش صغير. أحس عباس بأن الغرفة التي قضى فيها ليلته البارحة قد تغيرت في الصباح. الغرفة تغيرت. والواقع أنهم أخذوه ليلا من بيت جده حيث تقيم أمه وأحضروه إلى بيت أبيه.

لم يكن البيت غريبا بالنسبة إليه، فقد سبق له أن نام فيه قبل بلوغه الشهر السادس من عمره، فهو لا يكاد يتذكر من الشهور الستة الماضية سوى بعض أطياف كمن يغمض عينيه في الظلام فتتراءى له ذرات ساطعة كأنها دوامة غير منتهية من النور يسبح في بركة من السواد، ولكن مع ذلك أدرك أن لا أثر لرائحة أمه في أرجاء المكان، لم يتذكر أنه أجهش بالبكاء، فقد كانت جدته تسهر على إطعامه متى حان وقت الطعام. ومع ذلك أدرك أن عالما جديدا قد بدأ يتشكل، وأن وحشا صغيرا نما في مرآة ذاته، حتى إن أنفه أصبح يأخذ شكل خنزير قذر.

في السنوات الأولى نسي شكل الأم تماما، نسي ابتسامتها العذرية المشرقة، تناسى جدائل شعرها الأسود المتفحم واكتناز صدرها المراهق المسافر مع الريح، حتى إن قاموسه الشخصي لا يعترف بكلمة "أمّ" بسبب ما كانت تحدثه هذه الكلمة في نفسه من صنوف الألم الذي لا ينتهي، ولم يكن يقهره شيء في حياته أكثر من أن يرى طفلا في حضن أمه، أو قبلة زائفة تطبعها زوجة عَمِّهِ على شفتي ابنها الوليد، كان كل ذلك يؤرقه ويجدد في نفسه المواجع، فأقسم منذ تلك اللحظة أن ينتصر على هذا الشعور اللعين الذي يذكره بضعف النساء ومشاعر الفاشلين.

لم يكن من السهل أن يلتقي بأمه. بعد عصر يوم سبت شديد الحرارة، حتى الطيور لا تجرؤ على التحليق في الجو، رمقته أمه مع الصبية يلعب كما يلعبون، اختطفته خطفا. سارت به بين نبات الصبار حتى أدخلته الدار الكبيرة، في المدخل الأمامي من الدار إسطبل مخصص للبغل وبعض الماعز، يليه فناء واسع تتوسطه دالية وارفة الظلال، اتخذ الجد تحتها مجلسا يصنع فيه برادع الحمير من الحَلْفاء، مستعملا في ذلك "رَزامَةً" خشبية ثقيلة تشبه مطرقة عريضة المضرب على شكل أسطوانة لها مقبض طويل يتسع لكف واحدة، ومخصفاً من حديد صَدِئًا يرتق به البردعة قطعة قطعة، ويملؤها بالتبن اليابس حتى تأخذ الشكل الذي يصلح أن يوضع على ظهور الحمير، وقد كان يحمد الله ويمجده لأن تعقيدات الحمير ليست كتعقيدات البشر، فجميع البرادع تصنع بمقاس واحد، فلا فرق بين حمار وآخر، ففي نهاية الأمر ستوضع كلها على ظهر الحمير، وقد يقتضي الأمر في بعض الأحيان أن تأخذ مكانها على ظهورهم بقليل من الركل والرفس مثلما هو الحال بالنسبة للبشر حينما يكون الحذاء ضيقا فيضطرون لبعض الجهد لإدخاله...

كان عباس غارقا في تأملاته في عالم الحمير، وكانت أمه تركز نظراتها في عينيه كأنما تراه لأول مرة. لم يكن يعيرها أدنى اهتمام، بل كان يشعر أنها تضايقه لأنها تقطع عليه لذة التأمل في حركة المخصف يخترق البردعة.

في الواقع لم يكن الجد يصنع البرادع من أجل الحمير، أو إشفاقا عليها من ثقل الأحمال، وإنما كان يصنعها لأَجْلِ الحفاظ على مؤخرات راكبيها، ولولا هذا السبب الوجيه لكانت الحمير قد فكرت في صناعتها كما نصنع نحن أحذية تقي أرجلنا.

أدرك عباس أنه لن يمكث طويلا عند أمه في الدار الكبيرة، فسرعان ما يتفقده أهل أبيه فيأتون للبحث عنه وإرجاعه تحت وابل من السباب والشتائم، مشهد العائلتين يتسابان كان يبعث في نفسه الكثير من اللذة، فقد كان هذا الموقف يشعره بأهميته، خاصة حينما يقارن نفسه مع أترابه الذين لم يكن أحد يبحث عنهم حتى ولو قضوا نصف النهار يتمرغون في روث البغال.

أُخذ في المساء من حضن أمه دون مقاومة. ألقي به في خُرْجِ حمارٍ تَعِسٍ. سار به الحمار بين مسارات ملتوية. توقف الحمار فجأة وعلا نهيقه بعد أن رأى أتانا مقبلة نحوه تحمل برميلين من الماء. الحمير ترى الأتن السوداء في الليلة الظلماء تحت الصخرة الصماء، أنزله عمه من خرج الحمار تحسبا للطوارئ. الحمير مثل البشر عندما ترى الأنثى. همس العم كأنما يتحاشى أن يسمعه عباس.

لعن العم الحمير كلها: أشهبها وأسودها، صغيرها وكبيرها. لعن كاسبيها. "الحمير هي أكبر مشكلة في الدنيا" قال العم، وأضاف: "حينما تشم رائحة الأنثى خاصة" زم شفتيه ولعن زوجته في نفسه.

وَكَزَ العم الحمار ليَحول بينه وبين الأتان المفزوعة، لكن رغبة الحمار لا تقاوم، انقض على الأتان كهزبر جائع، طُرح العم أرضاً. سقطت البراميل. ضاعت خمس كيلومترات من الماء، عادة عندما تسقط البراميل من ظهر الحمار لا يمكن حملها من جديد لثقلها، فتكون رقية مضطرة لإفراغها والعودة إلى الساقية لملئها من جديد، لعنت رقية حمار العم وسلالة الأسرة كلها وراء ابتسامتها الرقيقة المشفوعة بندم خفيف على هذه المصادفة المقرفة، أحسست بدموعها تكاد تغمر المكان، لكنها لم تفعل استحياء، ولو كنت مكانها لقتلت الحمار اللعين. توسل إليها العم أن يذهب بدلها إلى الساقية ليملأ لها البراميل، تعللت بأن في البيت ما يكفي من الماء حتى مساء الغد، ساعدها العم في رفع البراميل الفارغة حتى أخذت مكانها على البردعة ثم انصرفت محمرة الوجنتين.

أخذني وألقاني مرة أخرى في خرج الحمار كما تلقى الأشياء التافهة، كنت أحس بوخز الحلفاء في مؤخرتي بسبب نتوءاتها الحادة، أتقلب في الخُرج ذات اليمين وذات اليسار، أعدل موضعي كلما ازدادت آلامي، يسير الحمار ببطء في طريق كأنها لسان كلب، يتعثر ولكنه لا يسقط. أحمد الله وأستوي في جلستي. يتعثر مرة ثانية ولكنه لا يسقط. أحمد الله وأعدل مرة ثالثة من جلستي. حتى إذا وصل إلى ناحية ضيقة من الطريق يحدها نبات الصبار من كل جانب، رفع رجليه إلى السماء وقذف بي وسط الشوك ووقف يتفرج انتقاما من هذا القزم الصغير الذي يمتطيه، ومن ذلك العم اللعين الذي حرمه متعة لقاء الأتان.

حُمل عباس على ملحفة عريضة إلى الحوش الكبير، كان الوقت عشاء، غطى الشوك أغلب جسده النحيل، لا يوجد شبر من جسده لم يصب بأذى، اجتمعت النسوة كلهن حوله يسللن الشوك بمقابض صغيرة من حديد كتلك التي يستعملنها في تسوية الحواجب، كان يحس بروحه تخرج مع كل شوكة تسل من جسده، لكنه لم يكن يذرف أية دمعة. ألا تتألم؟ تساءلت الزهراء. رد العم وكان غير بعيد يعد قراطيس "الشمة": إن جسده جسد حمار. أخفيت الكلمة في نفسي ولم أرد.

كان العم على حق، فقد تعافى عباس في ثلاثة أيام، وأثبت للجميع أن جسده جسد حمار. ومنذ تلك اللحظة علقوا في عنقه بعض التمائم وأصداف البحر الصغيرة دفعا للعين والحسد. ودفعوه إلى فقيه القرية يحبسه في زاوية معتمة يستمع إلى الطلبة يقرؤون في ألواحهم ويلوحون برؤوسهم يمينا ويسارا كأنهم صفصافة كبيرة في مهب الريح.

الحمار، أجل! الحمار هو سبب كل هذه المشاكل.

لم تمض سوى أشهر قليلة حتى أقبل فصل الحصاد، كانت ذكرى الحمار الملعون ما تزال ترن في أذنيه مدوية، وما يزال جسده يحس بوخز الأشواك كلما مر من لسان الكلب، وكلما تذكر هذه الواقعة الأليمة ازداد كرها للحمير. حتى إذا أقبل الحصاد وتركت في المساء ترتع طليقة من غير قيود، تنفيسا عن يوم شاق من العمل المتواصل في دَرْس القمح وتحميل المؤن إلى الحقول. فَكَّرَ عباس مليا ثم تدبر، ثم حز في نفسه أن يتعرض لمزيد من الضرب المبرح إن هو أقدم على ما تدبره، ولكن الحمار اللعين يستحق كل شر جزاء فعلته الماكرة، لا يمكن للحمار أن يسلم من فعلته الخبيثة، ليعلم هو وفَصيلُهُ أن مثلَ عباس لا يُعبث به، وأن كل من سولت له نفسه إيذاءه سيتعرض للانتقام، أصر عباس على إحراق الحمار حتى الموت، فقد رأى كيف يتخلص أهل القرية من بقايا السدرة في الحقول، كانوا يرشون عليها سائلا لزجا ويضرمون فيها النار، وكان مشهد السدرة تحترق وجذوات اللهب تتطاير منها يستهويه ويأخذ بمجامع نفسه. وكان يطرب أشد الطرب حينما تحاصر النار أسراب الخنافس والزواحف التي اتخذت من دفء هذه الأحراش مأوى لها، فتبدأ في تدافع مسعور لتتقي اللهب الحارق والدخان الخانق. وكان قد رأى كيف يصنع القرويون الفحم من جذوع أشجار اللوز والخروب، فكان كلما رأى نارا تشتعل أحس بنشوة لا تقاوم. فعزم على أن يشعل النار في الحمار حتى الموت، ولم يكن يثنيه عن تنفيذ خطته الممتعة سوى فرصة إيجاد الحمار وحيدا يرعى في العراء حرا طليقا، قنينة صغيرة واحدة من غاز القناديل كافية لتشعل النار في هذا الحمار الغبي جزاء على ما اقترفه من غباء.

النارُ تشتعلُ. شوارع غَزَّةَ تحترق. الأشلاءُ تتناثر في الطرقات. العرب ينددون. القرويون يتفرجون. العرب يغلقون الحدود ويمنعون دخول المؤن. القرويون يصعدون إلى سطوح المنازل يضحكون ويتغامزون. النار تشتعل. القنابل تنفجر. ليلة أولى. ليلة ثانية. ليلة ثالثة...ألف ليلة وليلة، القصف يتواصل. العرب يترقبون. يعدلون من جلستهم. الجامعة العربية أوف، لا تستحق حتى أن تذكر، الأئمة في المساجد يدعون بالهلاك المبين. القرويون يدعون على صاحب الفعلة بالسخط والثبور. الحمار يجري. يتعثر في آلامه. ينهق بأعلى صوته. النار تصل إلى أحشائه. الزبد يتطاير من لسانه. القصف متواصل. القنابل تتساقط. الأمطار تتساقط. العرب يتفرجون. القرويون يتفرجون.

كان العم ما يزال بعيدا في أحد الحقول المجاورة. أنقذ شبابُ القريةِ الحمارَ من النار. غزة مازالت تحترق. هرب عباس إلى بيت أمه. وفي العاشرة جاءت زوجتي ونظفت المائدة. ألقت بالوردة الحمراء الذابلة إلى القمامة، غسلت السكين الفضي ووضعته مع أغراض المطبخ.