الاثنين، 21 يوليو 2008
الثلاثاء، 15 يوليو 2008
سحر الأقلام!
منذ اكتشاف الكتابة، ظل القلم يمثل سحرا خاصا بالنسبة لعشاقه، سال الكثير من المداد في وصفه وما يمكن أن يقدمه للحضارات الإنسانية المتعاقبة، ذكر القلم في أغلب الديانات السماوية وغير السماوية، وارتبط بالواقع كما ارتبط بالغيب، ورغم التطور السريع في وسائل الكتابة وتقنياتها المختلفة، إلا أن القلم ما يزال يحتفظ ببريقه الذي لا يضاهى، وبسحره الرائع الأخاذ.
الأقلام عبر التاريخ أنواع مختلفة، منها الطويل المسنن الذي كان يستعمل في الدواوين لكتابة الصكوك، ومنه القصير الذي كان يعتمده الشعراء في تدوين أشعارهم، وتختلف أيضا طريقة قصه من أمة إلى أخرى، فالأقلام الشرقية ومنها العربية يكون سننها مائلا بنسبة 30 درجة تقريبا ليناسب الحروف العربية، في حين تتميز الأقلام التي تكتب بها الخط اللاتيني بسماكة سننها وخشونته لتتناسب أيضا مع أشكال الحروف اللاتينية.
لم يسبق لي أن زرت معرضا متخصصا في عرض الأقلام، ولا أعرف إن كانت هذه المعارض موجودة أصلا، ولكن كل ما أعرفه أن هذه الهواية صاحبتني منذ دراستي في السنة الأولى من السلك الإعدادي، فقد كنت مهووسا بجمع الأقلام النادرة، مركزا فقط على الأقلام الحبرية السائلة وليس الأقلام الجافة، فخطي قبيح وبشع بالقلم الجاف، مع اعتذار كبير لذلك العبقري الفرنسي (Bic) الذي أخترع القلم الجاف، وما يزال قلمه يتربع على عرش أكبر المبيعات في هذا الصنف حتى الآن.
لكل قلم عندي غاية واحدة محددة، ولا أستطيع أن أكتب كل شيء بقلم واحد، فللشعر قلمه، وللنقد قلمه، وللفرنسية قلمها الخاص، وكل هذه الأقلام تشترك في كونها تعتمد المداد السائل وليس الجاف. إنه نوع من الحمق اعتدت عليه منذ عشرين سنة، ومن الصعب جدا تغييره، حتى بعد ظهور الآلة الكاتبة وشاشة الكمبيوتر.
ولكل قلم عندي اسم خاص، أعرفه به وتعرفه عائلتي، فحينما أسأل عن العكول، فلا بد أن يأتي العكول، وعندما أسأل عن محمد شكري فلا بد أن يأتي محمد شكري وهكذا دواليك. أعرف أن هذا شكل من أشكال الحمق، ولكن هي العادة، ومن الصعب جدا تغيير عادات الناس، دون أن نأخذ من نفوسهم شيئا جميلا اعتادوا عليه.
الأقلام عبر التاريخ أنواع مختلفة، منها الطويل المسنن الذي كان يستعمل في الدواوين لكتابة الصكوك، ومنه القصير الذي كان يعتمده الشعراء في تدوين أشعارهم، وتختلف أيضا طريقة قصه من أمة إلى أخرى، فالأقلام الشرقية ومنها العربية يكون سننها مائلا بنسبة 30 درجة تقريبا ليناسب الحروف العربية، في حين تتميز الأقلام التي تكتب بها الخط اللاتيني بسماكة سننها وخشونته لتتناسب أيضا مع أشكال الحروف اللاتينية.
لم يسبق لي أن زرت معرضا متخصصا في عرض الأقلام، ولا أعرف إن كانت هذه المعارض موجودة أصلا، ولكن كل ما أعرفه أن هذه الهواية صاحبتني منذ دراستي في السنة الأولى من السلك الإعدادي، فقد كنت مهووسا بجمع الأقلام النادرة، مركزا فقط على الأقلام الحبرية السائلة وليس الأقلام الجافة، فخطي قبيح وبشع بالقلم الجاف، مع اعتذار كبير لذلك العبقري الفرنسي (Bic) الذي أخترع القلم الجاف، وما يزال قلمه يتربع على عرش أكبر المبيعات في هذا الصنف حتى الآن.
لكل قلم عندي غاية واحدة محددة، ولا أستطيع أن أكتب كل شيء بقلم واحد، فللشعر قلمه، وللنقد قلمه، وللفرنسية قلمها الخاص، وكل هذه الأقلام تشترك في كونها تعتمد المداد السائل وليس الجاف. إنه نوع من الحمق اعتدت عليه منذ عشرين سنة، ومن الصعب جدا تغييره، حتى بعد ظهور الآلة الكاتبة وشاشة الكمبيوتر.
ولكل قلم عندي اسم خاص، أعرفه به وتعرفه عائلتي، فحينما أسأل عن العكول، فلا بد أن يأتي العكول، وعندما أسأل عن محمد شكري فلا بد أن يأتي محمد شكري وهكذا دواليك. أعرف أن هذا شكل من أشكال الحمق، ولكن هي العادة، ومن الصعب جدا تغيير عادات الناس، دون أن نأخذ من نفوسهم شيئا جميلا اعتادوا عليه.
السبت، 8 ديسمبر 2007
إنتخابات البلاغة الواضحة/الفاضحة.
مهرجانات الكلمة الجميلة، والبلاغة الواضحة، والسليقة اللغوية المتوارثة كابرا عن كابر تبدأ في موسم الانتخابات...شيء رائع حقا أن ترى وجه سيبويه ، وتشم رائحة السكاكي في القرن الواحد والعشرين!
من التعاريف البسيطة الواضحة في باب الخبر والانشاء، أن يعرف الخبر بكل ما يحتمل الصدق والكذب، أما الإنشاء فهو ما لا يحتمل صدقا ولا كذبا..!
شيء رائع حقا!
الأروع منه هو التزام المترشحين للانتخابات قواعد البلاغة العربية بشكل يجعلهم أكثر دفاعا عن الفصاحة العربية من كل المجامع اللغوية في الوطن العربي.
خطابهم الانتخابي كله يشمل جملا خبرية رائعة من قبيل:
نوفر لكم خدمات الصحة والتعليم.
نساعدكم على توفير العمل المناسب.
نبني لكم المدارس والمستشفيات.
كل الأفواه الجائعة تجد خبزا وأشياء أخرى....وهكذا من الجمل التي لا تنتهي.
جمل خبرية تحتمل الصدق والكذب بنسبة متساوية.
بمعنى آخر احتمال عدم الوفاء بالبرنامج الانتخابي وارد بنسبة 50 في المائة، لذلك ليس من حق المواطن العربي أن يطالب هؤلاء بتحقيق ما التزموا به أمام ناخبيهم، لأنهم قالوا الحقيقة في الحملات الانتخابية، وأن العيب كل العيب في المواطن العربي لأنه لم يفهم الحكمة الخارجة من أفواههم المعطرة بعصير العنب والبرتقال.
العيب كل العيب أن المواطن العربي لم يصدق لحد الآن أنه جاهل متخلف ألعوبة في يد الآخرين، يفعل به ولا يفعل شيئا.
هنيئا للمنتخبين -بفتح الخاء- لأنهم صدقوا بما وعدوا،أما الناخب العربي فعليه أن يدخل بيته أو خيمته ويسد الباب من ورائه ويقول الحمد لله على نعمة الفوضى...!
الجمعة، 23 مارس 2007
بين الوحي والقراءة والقرآن (رأي للنقاش).
الوحي.
القرآن.
القراءة.
وردت كلمة وحي بكل مشتقاتها في كتاب الله 78 مرة وبدون ذكر المكرر منها 22 مرة وكلمة وحي لا تخرج في معانيها العامة عن المجالات التالية:
1- الوحي للأنبياء، بمعنى تبليغهم بكلام الله ليبلغوه بدورهم للناس.
2- الوحي للمخلوقات من غير الإنسان كما في حالة النحل، ويراد به رسم طريق الغريزة أو الفطرة للاهتداء إلى القيام بعمل ما.
3- الوحي بمعنى الإخبار كما في حالة الوحي للملائكة.
فالوحي إذا هو تلقي المعرفة الإلهية سواء بواسطة كما في حالة جبريل أو بغير واسطة كما في حالة النحل. لكن المهم في كل هذا أن الوحي لا يدخله أي تغيير من طرف الواسطة فهو تلقين حرفي، أو معرفة لا تقبل التصرف. وهي معرفة مطلقة غير قابلة للنقاش.
الوحي بتعبير آخر هو معرفة مختلفة عن أنواع المعارف الأخرى، فالأدب على سبيل المثال في جزء منه يستمد قوته من الطاقة الإبداعية عند مبدعه، وكثيرا ما يعتقد المبدع أن هناك وحيا ما هو الذي يمده بالقوة اللازمة للإبداع، لكن الفرق هو أن الإبداع الإدبي يمكن أن يقبل النقد بل ويقبل المساءلة سواء بالزيادة أو بالنقصان، في حين الوحي الإلهي وحي مغلق يتقبل كما هو دون تدخل خارجي.
لتلخيص الفكرة وتبسيطها أكثر نقول: إن الوحي الإلهي هو مجموعة من المعطيات والمقدمات المنطقية غير قابلة للتعديل فهي بمثابة مسلمات تنطلق منها المعرفة الإنسانية في شكلها الديني والدنيوي، وأن أي تدخل في هذا الوحي يعد بالأساس تدخلا في مشيئة الله.
لنلخص أكثر: الوحي هو نص/إطار لا يقبل التعديل.
أما كلمة قرآن وكلمة قراءة بكل مشتقاتهما فوردا في كلام الله 88 مرة وبغير تكرار 30 مرة، بمعنى آخر إن القراءة الدلالية الإحصائية لهذه الكلمات تبين بوضوح أهمية القرآن والقراءة على كلمة وحي، ولعل هذا الاستنتاج راجع إلى أن الوحي لا يوجد في دائرة اختصاص الإنسان المسلم وليس من حقه الاعتراض على مضامينه، في حين كلمة قراءة وقرآن من أخص الخصائص التي ترتبط بحياة المسلم سواء في الدنيا أو الآخرة.
لا يهمني الآن تعريف المفسرين والأصوليين للفظة قرآن سواء في مفهومهما الصوري الذي تمتلىء به كتب القوم أو المفهوم الشكلي الذي يركز على التعريف الشكلي وحدود البداية والنهاية وترتيب سور المصحف الشريف.
لكن لنلق نظرة بشكل مختلف عن لفظة قرآن:
لا أعرف شخصيا بيتا شعريا جاهليا واحدا صحيحا وردت فيه هذه الكلمة،- من يعرف فعليه أن يخبرني- في انتظار أن تصححوا لي هذه المعلومة دعوني أستنتج أن كلمة " قرآن" هي من الكلمات الجديدة كل الجدة في اللغة العربية ظهرت بظهور الإسلام وهي من الكلمات التي سحرت المسلمين آنذاك بقوتها الإيحائية ودلالاتها غير المنتهية، تماما ككلمة كافر التي كانت تعني كفر الحب أي دفنه في الأرض فتحولت مع الإسلام إلى معنى جديد هو الشرك بالله، وككلمة "جاهلية/أو جاهل" التي كانت تعني الشاب الذي لم يكتمل نضجه بعد فأصبحت مع الإسلام تعني شيئا مختلفا وتدل على فترة سابقة على الإسلام.
كلمة قرآن إذا كلمة جديدة كل الجدة. ومعناها جديد كل الجدة، وإيحاءاتها الدلالية جديدة كل الجدة، فقد جاءت لترسم نوعا جديدا من الفكر أو لنكون أكثر دقة نوعا جديدا من المعرفة.
دعونا نتأمل الآن هذه السلسلة الدلالية التي تبتدىء بكلمة وحي وتنتهي بكلمة قرآن،نقطة بداية الوحي كما مر بنا منذ قليل تبدأ بالله باعتباره هو مصدر المعرفة الدينية والدنيوية غير القابلة للتعديل أو التحوير ولا نريد أن نقول التزوير. في حين كلمة قرآن ببساطة شديدة تعني استقبال عامة الناس لنص الوحي بلغة يفهمونها وبخطاب يستطيعون فهمه وتطبيقه.
القرآن بكلمة واحدة هو ترجمة الوحي إلى لغة إنسانية مفهومة، بلغة أكثر بساطة القرآن هو فك لرموز معقدة وتحويلها إلى رموز بسيطة يقبلها الوعي البشري ويفهم ألغازها.
نستطيع أن نؤكد الآن بكثير من اليقين أن القرآن هو المستوى الثاني من مستويات الوحي أو الدرجة الثانية من درجاته إذا جاز لنا أن نجعل القرآن مستويات ودرجات.
بعد ذلك تأتي كلمة"قراءة"، هذه الكلمة هي المستوى الثالث من مستويات البناء القرآني، هذه المرحلة هي أكثر المراحل التصاقا بالإنسان، وليست التفاسير القرآنية إلا مظهرا من مظاهر قراءة القرآن أي المحاولات المتعددة لفهم النص القرآني وآليات اشتغال اللغة فيه وكذلك المقاصد الشرعية الكبرى وغير ذلك مما بحث فيه العلماء وقتلوه درسا وبحثا.
من حق القارىء الكريم أن يسألنا إلى أين تريد أن تصل بنا مع كل هذا الكلام، فنحن نعرف الوحي ونعرف القرآن والقراءة، لكنني أريد أن أنبه عموم المسلمين وخاصتهم أن المستوى الأول أي الوحي والمستوى الثاني أي القرآن لا مشكلة لنا فيه/معه، المشكلة كل المشكلة في المستوى الثالث. فقد ظهر لي أن كثيرا من المسلمين يعطون أهمية كبيرة للمستوى الثالث ولا يهتمون بالقرآن نفسه، يعطون أهمية لتفسير القرآن أي الاجتهادات البشرية في فهم النصوص القرآنية على حساب القرآن نفسه، متناسين سواء عن حسن نية أو بسبب حسابات معينة أن تفاسير القرآن الكريم ليست قرآنا وهي ليست مقدسة (أكرر: التفاسير القرآنية مهما بلغت فائدتها وقيمة أصحابها ليست مقدسة وإنما يجوز فيها الخطأ والصواب) فما هي إلا قراءات للنص الديني محكومة بزمانها ومكانها، وأن الخير كل الخير أن نعود للقرآن نقرؤه ونتدبره كل حسب مستواه فلم ينزل القرآن لطبقة واحدة من الناس وإنما نزل للناس كافة غنيهم وفقيرهم، عالمهم وجاهلهم، بل مؤمنهم وكافرهم.
الأربعاء، 22 نوفمبر 2006
أخطاء نحوية (قصة قصيرة).
أخطاء نحوية...
(قصة قصيرة)
خرج من بيته صباحا كعادته واتجه نحو دكان مجاور ليشتري خبزتين. قدم للتاجر ورقة من فئة عشرين درهما. في لمح البصر أدخلها التاجر إلى صندوقه الخشبي.
همَّ بالخروج فتذكر أن التاجر لم يقدم له الباقي.
- ولكن يا سيدي، الخبزة بدرهم، والخبزتان بدرهمين. والباقي ثمانية عشر درهما.
أجابه التاجر – كأنما استفاق من نوم عميق- عذرا، لقد نسيت.
أخذ نقوده وانصرفَ ! يقول في نفسه: لا بأس لا بأس نحن الذين علمناه !
يتجه نحو السوق الشعبي، يشتري قليلا من البطاطس، يقدم للخضار عشرة دراهم. يلقي الخضار بالعشرة دراهم في كيس من الجلد الأحمر عليه آثار البلى.
يهم بالانصراف، فيتذكر.
- ولكن يا سيدي، ثمن الكيلو غرام من البطاطس أربعة دراهم، والكيلوغرامين بثمانية دراهم، والباقي درهمان.
يعتذر له الخضار، يأخذ الدرهمين وينصرف. يقول في نفسه: لا بأس لا بأس، نحن علمناه !
يقترب من بائع الزيتون، ويشتري منه درهمين. يدفع له خمسة دراهم، يضعها بائع الزيتون في صندوقه الأسود وينشغل بأكياس الزيتون.
يهم بالانصراف. يتذكر: سيدي رُدَّ عليَّ ثلاثة دراهم!
يعتذر بائع الزيتون في أدب: عفوا، لقد نسيت. يأخذ دراهمه الثلاث وينصرف. يقول في نفسه: لا بأس لا بأس…نحن علمناه !
توجه إلى بائع البصل واشترى كيلوغرامين. قدم للخضار خمسة دراهم. وضعها في كيسه الجلدي الأحمر وصَمَتَ!
سيدي ثمن الكيلوغرامين من البصل أربعة دراهم ونصف الدرهم، والباقي عندك نصف درهم!
استفاق الخضار من سباته: عفوا سيدي لقد نسيت، ودفع إليه بالنصف درهم.
- لا بأس لا بأس…نحن علمناه، يقول في نفسه.
لم يتبق في جيبه الآن إلا درهمان، درهم كاملة، وقطعتان من فئة النصف درهم.
رجع إلى بائع البطاطس وأضاف كيلوغرامين من البطاطس. أعطى كل ما تبقى في جيبه للخضار وانصرف.
بعد ثانيتين يلحق به الخضار في غيظ: يا هذا، أضف لي ستة دراهم.
يستفيق من غيبوبته، عفوا سيدي لقد نسيتُ !
استمر في المسير ولم يحدث نفسه.
الاثنين، 20 مارس 2006
تأصيل الجنس الأدبي في النقد المغربي: القصة والمسرح.
منْذُ اتصال الأدب المغربي بالأدب الغربي ،طرحت مسألة الجنس الأدبي بإلحاح على أساس أنه ضرورة فرضتها الأسئلة الثقافية والمناخ الجدلي الجديد الذي حاول أن يؤصل لمفهوم الهوية الثقافية كنافذة يؤطرها حضور الآخر وغيابنا من الساحة الفكرية سواء على مستوى الممارسة الثقافية أو على مستوى الأحداث الكبرى أو على مستوى إنتاج الدوال المعرفية وتأثيرها في الآخر. ومن هنا نرى أن فكرة تأصيل بعض الأجناس الأدبية كالقصة والمسرح لم يكن سوى رد فعل ونستدل على ذلك بالمعطيات التالية:
1- مسار التأصيل غير الذاتي (الوافد)
إن تأصيل المسرح والقصة القصيرة في المغرب لم يكن مبنيا على معطيات فرضها تطور الجنس الأدبي مثلما حدث في الغرب، بل إنهما ناتجان عن إملاءات الآخر القوي, يشهد لهذا أنه يصعب ربط المسرح المغربي بأي تجربة مغربية قبلية،بل على العكس من ذلك فقد كان مرتبطا بتأسيس مسرح سيرفانتس في طنجة سنة1913 ،ولم يخرج المسرح المغربي للوجود إلا سنة1956 حين انعقد آنذاك أول مهرجان للمسرح في المغرب، وفي هذه الحالة أيضا فإن جوهر العملية المسرحية كانت مرتبطة بالاقتباس ونمثل لذلك بالطاهر واعزيز وعبد الصمد الكفتاوي،قبل أن تظهر أسماء أخَر فيما بعد وتفكر في النصوص التراثية.
ولعل الأمر نفسه يقال في القصة القصيرة، فنحن ندرك الظروف التاريخية التي نشأت فيها القصة القصيرة في المغرب ،فالاتصال بالغرب هو العامل الذي دفع النقاد الأوائل إلى البحث في موضوع تأصيل آليات اشتغال جنس القصة القصيرة ،ومن هنا ندرك الخلط الواسع الانتشار في النقد المغربي بين القصة والرواية،بل بين الرواية والمسرحية في كثير من الأحيان.
كانت بداية القصة في المغرب الحديث ترتهن إلى مكونات بعيدة كل البعد عن هاجس التطور الداخلي للجنس ،إذ راح أغلب النقاد يطرحون أسئلة تتعلق بثقافة الآخر كعلاقة القصة بالمجتمع الإقطاعي،مسألة الوعي الثقافي ودوره في الروح الوطنية، في حين تبين الآن – وبشكل واضح- أن تلك الأسئلة رغم أهميتها المعرفية ،كانت بعيدة كل البعد عن المشاكل الحقيقية التي كان يعيشها المجتمع المغربي،وإنما كانت أسئلة استهلاكية أملاها الانبهار بالآخر وسلطته المعرفية.
كيف يمكن أن نطرح أسئلة الوعي الثقافي في مجتمع تمثل فيه الأمية النسبة الكبرى،بالإضافة إلى سيادة عقلية القبيلة والتفكير المركزي الأحادي الاتجاه،كل هذه العقبات ولدت لدى المثقفين في تلك الفترة شعوراً بالتفوق والتفرد لخلو الساحة من طقوس القراءة وإمكانيات النقد الواسع،صحيح أن النقد الجامعي سيكون له الفضل الأكبر فيما بعد لنشر قيم النقد وتقنيات البحث،وهو ما دفع النقد ليخطو خطوات واسعة،لكن مع ذلك نسجل أن المجتمع لم يكن يعرف ما يدور بالجامعة المغربية،ولم تكن الأسئلة المعرفية في دائرة اهتمامه.
من هذه الزاوية نقرر أن تأصيل القصة والمسرحية في المغرب لم يكن نابعا من تطور الجنس الأدبي وطقوس القراءة،إلى درجة أن تطور الجنس الأدبي كان في مسار،وحالة المجتمع في مسار آخر.وبذلك يحس القارئ المتمرس الآن أن التطور في مجال الكتابة والإبداع يرافقه تخلف في طقوس القراءة ،فلحد الآن ليست لدينا قاعدة ثقافية قارئة يمكن أن تسهم في بلورة الفعل الثقافي في بلادنا.
2- سؤال المرجع والبحث في الشكل التراثي.
في المرحلة الثانية من مراحل التعامل المباشر مع القصة والمسرح ،ظهر تلاميذ جدد كان همهم الأول هو الرجوع إلى "التراث"باعتماده مادة خاما نعبر من خلاله عن قضايا المجتمع،وفي هذا الرجوع وقعت أخطاء منهجية جسيمة بدرجات متفاوتة تبعا لدرجة الوعي الخاصة بكل مبدع :ففي مجال المسرح تمثلت العودة للتراث في استلهام رموز جاهلية أو إسلامية كامرىء القيس أو الحلاج وحاول أصحابها تفعيلها في سياقات مختلفة تماما عن المحيط الذي نشأت فيه: فامرؤ القيس يسير في شوارع باريس ظنا من المبدع أنه بعمله هذا قد أنتج نصا قابلا للتعايش مع المتغيرات والجديد الدائم في مجال المسرح،في حين أن هذا النوع من المسرح الذي يعتمد مباشرة وبشكل أساسي عل اللغة لن يكون بإمكانه أن يصمد أمام الترجمة إلى اللغات الأجنبية لأن أساس التمسرح فيها هو اللغة وليس الفعل المسرحي.
وإذا شئنا أن نقارن- ولو بشكل بسيط- بين المسرح المغربي والمسرح التونسي في شخص عزالدين المدني و برشيد ،يمكن القول إن عز الدين المدني يوظف التراث فنيا،ويحافظ على الزمن الروائي وهذا واضح في اعتماده لغة الجاحظ وعبد الحميد الكاتب، في حين لا يمكن الحديث في المسرح المغربي عما يمكن تسميته بالزمن الروائي، فعوض أن نذهب نحن إلى الماضي بأفكارنا ومعتقداتنا وفهمنا العميق للأشياء،ترانا نأتي بشخصيات التاريخ إلينا ونطلب منها أن تفهم حاضرنا وأن تشاركنا همومنا وآمالنا،وهو الأمر الذي ينبغي أن ننبه إليه كمدخل لنعت المسرح المغربي بالمسرح الذي يعود إلى التاريخ لهدف إيديولوجي وليس لهدف فني.
إن العودة للتراث ليست هي البحث عن شخصيات معروفة لها ثقل في الساحة الثقافية،مثلنا يفكر أغلب الذين تعاملوا مع هذه الظاهرة ،بل إن التعامل مع التراث أشمل بكثير من مجرد استلهام شخصيات بعينها كامرىء القيس أو الجاحظ أو عبد الحميد الكاتب أو غيرهم،فاللغة تراث،والموقف تراث،واللحظة التاريخية تراث،والإشارة تراث،وشكل النص تراث...وهكذا بأشكال مختلفة يتحقق الرجوع إلى التراث وليس فقط بالأسماء التي غالبا ما توظف في غير سياقاتها،ولأهداف غير فنية.
في القصة القصيرة لم يمثل الرجوع إلى التراث الهاجس الأول وبعمر خمسين سنة من عمر القصة القصيرة في المغرب لا يتجسد التراث إلا في نماذج باهتة ،بل حتى الذين اعتمدوا التراث لم يعتمدون إلا قناعا يختبئون فيه خوفا من عقاب المحتل،أو قهر السلطان.
في الحديث عن التراث في القصة القصيرة المغربية يتجسد التراث في الموروث الشعبي والطقوس الدينية والممارسات الاجتماعية الطافحة بالخيال والجمال،ولكن مشكلة القصاصين المغاربة تتمثل دائما في التعامل مع التقنية الجمالية ،إذ يطغى الحكي على الإمتاع الفني،وإن كان الحكي نفسه إمتاع.
3- من البحث في الأشكال إلى التجريب على الأشكال
إن جوهر المشكلة هنا لا يتعلق بالتلاعب اللفظي ،فالحقيقة التي لا يجهلها النقاد – بل يكادون يجمعون عليها – أن أدبنا القصصي والسردي ، لا يزال دون مستوى الطموح الفعلي،فاللهث وراء الآخر على مستوى الشكل جعلنا ننسى الأشكال الأدبية الأكثر تجذرا في ذاكرتنا الثقافية، ورحنا نقيس الأشكال العربية القديمة بالأشكال التي انبهرنا بها، ولم نفكر لحظة،أو نتوقف للتفكير في الأشكال التراثية المختلفة،لماذا نريد أن تكون لنا قصة كالقصة الفرنسية أو الإنجليزية؟ ماذا يضيرنا لو اختلفت أشكالنا عن أشكالهم ،ورؤانا عن رؤاهم ، لكل حضارة أشكالها الخاصة مثلما لنا أشكالنا الخاصة،إننا نعترف أن الثقافة العربية لم تنتج مسرحا ولا أوبرا،ولكنها أنتجت في المقابل أشكالا مختلفة في مراحل مختلفة من تاريخها الطويل،ولم نفكر في استغلال هذه الأشكال الإبداعية،ليكون الأمر أكثر وضوحا نقدم نموذجين :الأول يتعلق بفن المقامة ليس بأسلوبها وطريقة تعبيرها، ولكن من خلال إطارها السردي الفرجوي ،إن نقادنا يعتبرون هذه الأشكال مقدمات للمسرح ،ويتحسرون –عن حسن نية- أن هذه الأشكال لو كتب لها التطور لكان للمسرح العربي شأن وأي شأن.لكننا نبادر إلى القول بأن هذا الشكل المقامي لا يمكنه أن يكون إلا كما كان،لا يمكنه أن يتطور في اتجاه آخر ،غير الاتجاه الذي سار فيه،فالمقامة مقامة والمسرح مسرح،ولا يمكننا أن ندخل هذا في هذا .
النموذج الثاني يتعلق بالحلقة،في كتابات النقاد نقرأ لهجة الأسف ,والدعوة إلى إعادة النظر في تناول الموضوع ،معتبرين أن الحلقة هو الشكل المسرحي (كذا!) الذي كان بإمكانه أن يعتمده المسرح العربي منطلقا للنشأة والتأسيس. الواقع أن جميع الحضارات السابقة للحضارة العربية- بما فيها الحياة العربية الجاهلية- عرفت نظام الحلقة ،فالحلقة ليست شكلا إبداعيا فحسب بل هي نظام حياة للكثير من الطبقات الاجتماعية،وقد مثلت مركزية "الدولة العربية" لفترة تاريخية طويلة ولا تزال رغم مظاهر الحداثة الواضحة للعيان،إذ لا يكفي استيراد الأشكال للحكم على تفوق الجنس الأدبي،ففي غياب القاعدة المدعمة لركائز الجنس تصبح كل محاولة للتحديث إملاءات خارجية تضر أكثر مما تنفع ولعل في تاريخنا الحديث أمثلة حية توضح صحة هذه الفكرة وتشهد لها،فنحن إلى الآن لا نعرف ماذا نريد،وبين الفينة والأخرى تظهر أصوات تندد بما وصل إليه الإبداع عندنا تحت عنوان كبير عريض هو "أزمة الحداثة" والواقع أن الأزمة ليست أزمة حداثة بقدر ما هي أزمة عقل عربي لم يعد قادرا على الإبداع لأنه انطلق من أرضية نقدية غريبة عنه لقد استورد مسوحاً ليست على مقاسه،إن ما حدث في عالم الاقتصاد عام 1929 هو نفسه ما يحدث في عالم النقد والأدب، فالتبعية لرأس المال الأجنبي نتج عنها أزمة حادة في دول لها قواسم مشتركة من حيث وسائل التنظيم وهرمية المصالح والأبعاد الواحدة،فكيف يكون الأمر بين ثقافتين مختلفتين تماما مثلما هو الحال بين "الثقافة العربية" و"الثقافة الأوربية"،صحيح أن مفهومي الثقافة العربية والثقافة الأوربية لم تعد ذات مفاهيم محددة،بل أصبحت في كثير من الأحيان ترفا فكريا،ومع ذلك فإننا نظن أن المفهوم صالح للتمييز إذ لا نستطيع أن نلغي التمايز بين الثقافات، بل إن الثقافات في أوربا نفسها تدعو إلى التمايز : فالثقافة الفرنسية ليست هي الثقافة الإنجليزية،والثقافة الأمريكية ليست هي الثقافة اليابانية،وترانا نحن بجرة قلم ننسى هذه المعطيات لننساق وراء قراءات غير مكتملة تصحح نفسها باستمرار .
ليكن واضحا الآن أن تجربة الأشكال لم تصل إلى نتيجة حاسمة في ما يتعلق بالبحث عن مسرح عربي ناضج يعتمد طرقه الذاتية وأدوات اشتغاله الخاصة،فلم يستطع المسرحيون العرب أن يفرضوا طرق عملهم،فاضطرتهم إكراهات العمل إلى التخلي عن جوهر العمل المسرحي إلى مغازلة جمهور أغلبه لا يقرأ ولا يكتب.
4- لماذا لا يستطيع العقل العربي التمييز بين القصة والرواية؟
إذا عدنا إلى الوراء قليلا- في كتابات القدماء- سنعثر على مفتاح مهم يجيبنا على السؤال، إن العربي لا يعرف ولا يدرك إلا فعلا سرديا واحدا هو "حكى/ يحكي" وكل الأفعال التي في معناه لا يفهمها العقل العربي إلا بمعنى الحكي،مادة قولية يرسلها المتكلم نحو المخاطب وتشتمل على حدث.
عندما اصطدمنا بالأجناس الحديثة لم نستطع أن نميز- أو بالأحرى لم يستطع عقلنا أن يميز- بين الرواية والأجناس السردية الأخرى القريبة منها كالقصة القصيرة والأقصوصة والنثيرة. ولعل السبب في ذلك يرجع كما قلتا سابقا إلى أن العقل العربي فارغ من محتوى الرواية بالمفهوم الأوربي بسبب عدم توفر المقابل الأدبي في أدبنا.نعم إننا نمتلك رصيدا سرديا كبيرا ولكنه رصيد مختلف،وحُقَّ له أن يكون مختلفا،وينبغي أن ننظر إليه في حجمه الطبيعي ونستفيد من الجوانب الحَرية بالاستفادة، دون أن نحمل الأدب والتراث السردي أكثر مما يحتمل.
في مقال نقدي نشرته مجلة نزوى يتحدث سعيد الغانمي عن علاقة السرد بالحياة ننقل كلامه لأهميته:" إن كون الحياة ذات صلة بالسرد أمر كان معروفا دائما، وقد تكرر قوله كثيرا، فنحن نتحدث عن قصة حياة لنصف التواشج بين الميلاد والموت. مع ذلك، فان المماثلة بين الحياة والقصة ليست واضحة في الواقع، ولابد من وضعها تحت طائلة الشك النقدي. وهذا الشك هو عمل كل المعرفة التي استحصلتها العقود القليلة الماضية حول السرد، وهي معرفة يبدو أنها تفصل السرد عن التجربة الحية وتقصره على منطقة الخيال. سنمضي، أولا، لاختراق هذه المنطقة النقدية ونسعى لإعادة التفكير بطريقة أخرى في هذه العلاقة المسرفة في التبسيط والمباشرة جدا بين التاريخ والحياة"إن ما يتحدث عنه الباحث هو العلاقة بين السرد/الجنس وبين الحياة/الواقع؛فلا نستطيع تمثل الجنس الأدبي إلا إذا كان نابعا من طبيعة الحياة العربية وله مقابل في بنية العقل العربي الأدبي،أما والأمر صعب فإن الحديث عن أجناس عربية قريبة من الأجناس الأوربية فهو محض اختلاق.
5- إذا ما العمل؟
لا شك أن الخطوة الأولى الناجحة – في نظرنا- أن ننسى الآخر ، لندع الأوربيين يكتبون كما يحلو لهم إن هذا الأمر لا يزعجنا،ولندعهم يسبقوننا في مجال الأدب والنقد،فنحن لا محالة نخسر المعركة لو حاولنا اللحاق بهم،في نفس الوقت لن نربح كثيرا إذا نحن تساوينا معهم، لأنهم هم أيضا يشتكون من أزمة مناهج و أزمة حقيقة وأزمة قراءة...
المرحلة الثانية التي نعتبرها أساسية هي الرجوع إلى تراثنا – ليس بالمفهوم المتحفي نسبة إلى المتحف-و لكن باعتبار التراث إبداعا متجددا بتجدد القراءة والنقد، ونعمل على تأصيله وتبويبه والبناء عليه ولا يهمنا في هذه المرحلة إلى أين نصل.
المرحلة الثالثة هي تطوير الأشكال السردية العربية ،وبنفس المنطق لا يهمنا أن تتفق مع الجنس بالمفهوم الغربي أو أن تختلف عنه ،فما يهمنا هو استنطاق هذه الأشكال من الداخل بغية الاستفادة منها،فهناك في نظرنا أشكال سردية حالت ظروف تاريخية وسياسية,وأحيانا ظروف دينية وعقدية عن تطورها بشكل طبيعي،وهدفنا هو إيجاد هذه الظروف لتتطور هذه الأشكال بطريقة طبيعية،أريد أن أنبه هنا إلى أن أرفع وأشهر نص تراثي وصلنا هو كتاب"ألف ليلة و ليلة" ولا يخفى طابعه السياسي على الدارسين رغم ما يبدو من حالات فرجوية وتعليمية ...هذا الكتاب وكتب أخرى مشابهة تعطينا مفاتيح مهمة لفهم طبيعة السرد العربي وطرق عرضه.
المرحلة الرابعة:أن نحاول الانطلاق من العناصر الثابتة في تراثنا الأدبي ،فهناك بعض الثوابت التي تخفى حتى على القراء المحترفين،أكتفي بمثال واحد :السرد العربي حينما يتعامل مع "الفأر"يجعله دائما رمزا للفسق والعدوان والخديعة،فهو عنصر غير مرغوب فيه،ولا ينتبه العقل العربي لا إلى سرعة الفأر ولا إلى نحافته ولا إلى لطفه،في حين الفأر في السرد الغربي "حكايات لافنتين على سبيل المثال"يصبح الفأر مدللا يرمز إلى الطهر،فهو المساعد للضعيف الجالب للخير، فعلى الناقد والمبدع أن ينتبها إلى هذه الخصوصيات الدقيقة ويترجماهما في الأعمال الأدبية وإلا كانا ناقلين بدون وعي للتاريخ والعقل.
خاتمة:
اهتمت هذه المداخلة بضرورة الوعي بقضية التأصيل لمفهوم الجنس الأدبي؛وهي لا تتوخى الحصر بقدر ما يهمها وضع اليد على بعض التجاوزات التي لا نعيرها اهتماما أثناء تسابقنا نحو الآخر:نقول له إننا أيضا لنا أجناس مثلما لكم أجناس وننسى في غمرة الصراع أننا متى لا نؤسس أدبنا ونقدنا الخاص،بل نقوم في الواقع بعملية أكثر خطورة هي التشويش على الآخر وعلى استغفال القارىء العربي الذي ما يزال حائرا ولسان حاله يقول: إذا كان ما يكتبه العقل العربي عربيا ،فإن ما يسمى بالعروبة باطلٌ !!.
الجمعة، 12 أغسطس 2005
مشروع كتابة رواية (السكين والوردة) 6.
الجزء الأول من هنا.
6-
الفصل الثالث
رفعت السيدة ستائر الغرفة فتسرب إلى الأرجاء قليل من أشعة الشمس الصباحية، لم تكن غرفة كبيرة، فهي تتسع لمكتب صغير عليه حزمة أوراق قديمة، وقلم حبر سائل مغلق بإحكام، وعلى طرف المكتب في الزاوية اليسرى إلى الحائط مزهرية زجاجية كانت السيدة قد وضعت فيها بضعة أزهار بنفسجية. وعلى الجدار المقابل للمكتب الصغير، إطار من خشب قديم يحيط بصورة عابسة لجندي ببزته الرسمية، ترتسم على شفتيه ثلث ابتسامة نكرى، تدل ملامحه على شاب لم يتجاوز العقد الثالث، عندما تنهمك السيدة في الكتابة تخلف الصورة وراءها لتحرسها من خوف أبدي، فقد انتقلت الصورة مع السيدة من منزل إلى آخر طيلة أربعين سنة، ظلت الصورة مسمرة في مكانها في نفس الجهة من الغرفة.
يعم الغرفة هدوء دافئ يتسرب عبر مسامات الجلد بروية فيخلق جوا من المتع الحسية التي لا تقاوم، ولأول وهلة تحس أنك في قطعة نائية من أجزاء الروح، الفوضى الجميلة المنعشة تنساب هادئة في سكون الغرفة كقطعة موسيقية تعزفها الأشياء الصغيرة المبعثرة في كل مكان.
قلت في نفسي: ما أغبى علماء النفس ! يجعلون الإنسان محورا لتأملاتهم النرجسية. مرآةً لإسقاط أمراضهم الضاربة في أعماق التاريخ، وينسون أن مجال علم النفس هو الأشياء. الأشياء الحقيرة التي لا ينتبه إليها أحد. والتي تصرفنا عن جوهرها لكي لا نعكر عذريتها بتأملاتنا الساذجة. تلك الأشياء الصغيرة التي تمدني بفرحة الطفولة!
تتذكر السيدة ذلك اليوم الصيفي حين هم عباس بمغادرة المدينة، حمل أمتعته القليلة ثم غادر. لم تكن الأسرة تمثل له الشيء الكثير، فقد ضيعت فيه الأسرة أهم ما يملك، أفقدته حضن الأم ومنطق الأشياء، ولولا أنه تعلق بالسيدة أكثر من أي شخص آخر ما فكر في العودة إلى المدينة، تتذكر السيدة هذا اليوم بمرارة، فهو يذكرها برائحة الكلاب النافقة بسبب الحر الشديد الذي اجتاح المدينة، يذكرها باختفاء عباس، ظنوه لفترة أنه قد نفق في مكان ما، أو ربما سجن كما في إحدى المرات حينما اتهم بالتقصير في تأدية الواجب. والحق أنه ضُبِطَ يدخن الحشيش في مركز المراقبة.
كان صدى الشاب ذي البزة العسكرية يتردد في أنحاء الغرفة بصمت رهيب منعش، كأنما سرى في الغرفة شذى سحر من تلك اللحظات الجميلة القليلة التي كانت السيدة تنتظرها كلما أقبل موسم حصاد وفير.
نادت السيدة فوصلها في الحال فطورها الصباحي. ارتشفت بضع رشفات من قهوتها ووضعت الكأس مباشرة أمام المزهرية. أخذت السيدة قلم الحبر السائل وبدأت تكتب في إحدى الأوراق. سجلت برنامجها اليومي باهتمام زائد، ولم تنس أن تخصص وقتا مهما لصديقاتها، عادة تبدأ نزهتها الصباحية مباشرة بعد تناول الفطور، يُسمع قرع عصاها وهي تنزل من السلم المؤدي إلى حديقة المنزل، لكن اليوم هو استثناء، فقد حبسها مطر خفيف يظهر ويختفي. لم تكن حالة الاختفاء حدثا عارضا في حياة السيدة، فقد توارثه أبناء العائلة جيلا بعد جيل، فأقرب حدث تذكره السيدة بوضوح ويتسرب إلى نفسها كحزمة من أشعة شمس خافتة هو اختفاء الجد الأكبر ذي الشارب الكبير العريض في طريقه إلى القدس بعد أن أنهى مناسك الحج بالديار المقدسة، تتناقل القرية أخبارا متضاربة بشأنه: بعضهم يرجح أن الجد الأكبر استقر في القدس وتزوج امرأة مقدسية، وبعضهم يؤكد وفاته حتى قبل أن يصل القدسَ، والذين يعرفون شخصية الجد الأكبر يرجحون موته في طريقه إلى القدس، فالجد الأكبر ليس معجبا بالنساء إلى الدرجة التي تجعله يترك القبيلة كلها والحياة كلها ليستقر في مكان بعيد مختلف كل الاختلاف وهو الذي لم يبرح القرية من قبل إلا ما ندر. والواقع أن السيدة – على خلاف الإجماع- ترجح زواجه: "هذا الصنف من الرجال لا يحفظ عهدا. الرجال الصامتون لا يحفظون عهدا". تردد السيدة كلما سُئِلَتْ عن قصة الجد الأكبر.
على أن للسيدة تاريخ طويل مع حوادث الاختفاء، حتى إن الأشياء الصغيرة الكثيرة تختفي من أمام عينيها من وقت لآخر. تختفي الأواني من المطبخ فجأة ولا يبقى لها أثر، وقد كان يحدث في سنوات المجاعات الكبرى أن يختفي الدقيق والسكر في كل ليلة. بقي الأمر على هذا الحال مدة من الزمن. وقد حاولت السيدة – وهي الأم الحريصة على ألا يموت صغارها جوعا- أن تراقب من مكمن قريب هذا الغريب الذي يسرق الطعام والأشياء، لكنها استسلمت في آخر الأمر واطمأنت إلى هذه الروح الغريبة التي تقاسمها الفاقة وقلة الحاجة، وعدتها فردا من العائلة، الجفاف والجوع لا يضمران البطون وحدها بل يهدان النفوس أيضا، يحولان القلوب الراضية المطمئنة إلى وحوش كاسرة قذرة، وَلَشُدَّ ما عرفت السيدة أن حراس البيت وساكنيه من الأرواح الأخرى قد تأذت من هذا الشر، فأصبحت تترك بعضا من الطعام وقليلا من جلود الدجاج في المطبخ المشرع على السماء قرب كانون صغير متفحم، ثم تعود إلى خبائها تنام مطمئنة الروح هادئة الروع كأنما نفضت عن نفسها تأنيب الضمير ووخز السنوات.
لقد تحققت من الأمر ولم تعد تشك في قناعتها بشأن اختفاء عباس، الواقع أنه لم يمت في حرب الصحراء المقدسة كما تصر على ذلك الروايات المتواترة، فليس هناك دليل يؤكد وفاته: ليس هناك جثة أو بقايا رفات، وإنما كل ما هنالك أنه لم يعد إلى المركز كما عاد بقية الجنود بعد إنهاء مهماتهم. لقد اختفى عباس فجأة دون أن يحس به أحد. أحد أصدقائه القدامى يؤكد بمرارة ويقين أن عباسا قد رُفع. " المسكين، لقد رُفع ! " بقي سر اختفائه غامضا عشرين سنة كاملة، حتى كلمني سردال ذلك الصباح على مائدة الإفطار ليعيد فتح جرح قديم اندمل أو كاد، لتقادم العهد وطول الانتظار، أما السيدة فلم تكن تشك في يوم من الأيام أنه حي يرزق، وأن حديث الناس عن اختفائه ليس سوى لقصر أفهامهم في تناول أسرار عائلية لا يدركون غايتها أو سر حدوثها. الحقيقة أن السيدة كانت بارعة في القياس، فقد أدركت بحدسها أن اختفاء عباس مدة من الزمن طالت أم قصرت لا تعني بالضرورة أنه قد مات. اختفاء الإنسان كاختفاء الأشياء. لا شيء يميز هذا عن ذاك. تدرك السيدة تمام الإدراك أن أشياءها الصغيرة كانت تظهر في أماكنها المعهودة بعد فترة من اختفائها. آخر شيء ظهر قبل أسبوعين تماما. أسطوانة قديمة من الألمنيوم كانت السيدة قد أخذتها من مخلفات الجنود الأمريكيين (في ما يعرف بعام مِريكانْ) واستعملتها لجمع الأغراض الصغيرة كالأزرار المهملة وبكرات الخيط والإبر وأشكال من الدبابيس الصدئة تعود إليها من حين لآخر. وجدتها في مكانها الذي اختفت منه، لم تستغرب الأمر فقد تعودت حصول ما هو أغرب من اختفاء هذه المهملات الصغيرة. فقد اختفى اللحم من القدر فجأة وحل محله قطعة قماش كبيرة ظلت تطبخ مع قليل من البطاطس والفاصوليا ساعة أو يزيد، ولولا سمك القماش وقسوته لذابَ مع الإدام، ولما حان العشاء نظر بعضهم إلى بعض فأشارت السيدة إلى الجميع أن يصمتوا ويسلموا لأصحاب المكان. فربما اشتد بهم الجوع فمروا بالقرب فاشتموا رائحة اللحم فأخذوه. والواقع أن أصحاب المكان ما كانوا ليأخذوا اللحم ويتركوا البطاطس والفاصوليا والإدام. والواقع أيضا أن أصحاب المكان هُما عباس وسردال. ظلت السيدة ترقب السماء نحو نصف ساعة حتى تتأكد من رحيل المطر. السماء ضرع لا ينضب. السماء سهام من المياه تمرق وتنسحب.كلما همت السيدة بالخروج تراجعت فاحتمت بسقيفة البيت، حتى إذا انقطع المطر وعزمت السيدة على الخروج برقت السماء من جديد فأفسدت عليها عزمها فتراجعت مرة أخرى. أرض موحلة وأوراق أشجار متفسخةٌ. يظهر الأفق البعيد شاحبا فقدَ امتداده. آثار أقدام كئيبة مغروزة في الصلصال المشبع بالماء، كوليد استقبلته الحياة بعملية قيصرية، الأنين في كل مكان. الأقدام الموحلة تنغرس في طبقات الطين كقارب قابع في بحيرة متجمدة. لقد مرَّ عباس من هنا. لقد عاد. وانتشت السيدة بالذكرى. استغرقت في حلم لذيذ. أحست بالدفء يطرد الصقيع من أنحاء جسمها المترهل. وقد بقيت على هذا الحال مدة من الزمن حتى ظنت بها الظنون. فقد كانت تتفقد قبر سردال الفارغ مرة بعد أخرى، تتحسس ما به من أسمال بدَّدَ نسيجها الزمن، رائحة الملابس والعرق المتجمد، ولو قدر للتاريخ أن يسجل تاريخ الروائح كما يسجل تاريخ السفهاء لتبدى العالم مختلفا، والماضي مختلفا، ولكانت حقيقة الإنسان غير التي نعرفها الآن. إن تاريخ الرائحة لا يمكنها أن تخطيء في صياغة التاريخ. فهي البصمة التي يجهد الإنسان في إخفائها عن مسرح الأحداث لوعيه التام بنتانتها البغيضة، لكن الرائحةَ التي كانتْ السيدة تسترجع بها الماضي كانت رائحة مختلفة...
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)

